جامع الاصول (صفحة 6238)

6014 - (م ت) عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: حدَّثني عمرُ بنُ الخطاب قال: «لما كان يومُ بدر نظرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف، وأصحابُه ثلاثُمائة وتسعةَ عشر رجلاً، فاستقبل نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم- القِبْلَةَ، ثم مدَّ يديه، فجعل يَهْتِفُ بربِّهِ يقول: اللهم أنْجِزْ لي ما وعدتني، اللهم آتِني ما وعدتني، اللهم إن تَهْلِكْ هذه العصابةُ من أهل الإسلام لا تُعبدْ في الأرض، فما زال يهتف بربِّه مادَّاً يديه [مُسْتَقبلَ القبلة] ، حتى سقط رداؤه عن مَنْكِبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه فأخذه من ورائه، وقال: يا نبيَّ الله، كفاك (?) مُنَاشَدَتُك ربَّك، فإنه سَيُنْجِزُ لك ما وعدَك، فأنزل الله - عز وجل -: {إذْ تَسْتَغِيثُون رَبَّكم فَاسْتَجَابَ لكم أني مُمِدُّكم بألف من الملائكة مُرْدِفِين} [الأنفال: 9] فأمدَّه الله بالملائكة» .

قال سماك: فحدَّثني ابنُ عباس قال: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رجل من المشركين أمامه، إذْ سمع ضربة بالسَّوْطِ فوقه، وصوتَ الفارسِ يقول: أقدِمْ حَيْزُوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خَرَّ مُسْتَلْقِياً، فنظر إليه، فإِذا هُوَ قد خُطِم أنفُه وشُقَّ -[184]- وجهُه، كضربة السَّوْط، فاخضرَّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث بذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم-، فقال: صدقتَ، ذلك من مَدَدِ السماء الثالثة، فقَتَلُوا يومئذ سبعين، وأَسروا سبعين» .

قال ابنُ عباس: «فلما أَسَروا الأُسَارى، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: ما تَروْن في هؤلاء الأُسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، هم بَنو العمِّ والعشيرةِ، أرى أن تأخُذَ منهم فدية، فتكون لنا قوَّة على الكفار، فعسى الله أن يهديَهم إلى الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلتُ: لا والله، يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمَكِّنَّا، فنضربَ أعناقهم، فتمكِّن عليّاً من عَقيل [فيضربَ عُنقَه] ، وتمكِّني من فلان - نسيباً لعمر - فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ، فلما كان من الغدِ جئتُ، فإذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر قاعِدَيْن يبكيان، فقلتُ: يا رسول الله، أخبرني: من أيِّ شيء تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بكاء بَكَيْت، وإن لم أجد بكاء تباكَيْت لبكائكما، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفِداءَ، لقد عُرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة من نبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله عز وجل: {ما كان لِنَبِيٍّ أنْ يكون له أسْرَى حتَّى يُثْخِنَ في الأرض تُرِيدون -[185]- عَرَضَ الدُّنيا واللهُ يُريد الآخرةَ وَاللهُ عزيزٌ حكيم. لَوْلا كتابٌ مِن الله سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيما أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فكلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً} [الأنفال: 67 - 69] فأحلَّ الله الغنيمةَ لهم» . أخرجه مسلم.

وأَخرج الترمذي منه إلى قوله: «فأمدَّه الله بالملائكة» .

وأَخرج أبو داود منه طرفاً قال: حدَّثني عمرُ بنُ الخطَّاب قال: «لمَّا كان يومُ بدر، فأخذ - يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -الفِدَاءَ، فأنزلَ الله - عزَّ وجلَّ -: {ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يُثْخِنَ في الأرض} - إلى قوله -: {لَمسَّكم فيما أخذتم} من الفِدَاءِ، ثم أحلَّ لهم الغنائمَ» .

أخرج منه هذا القَدْرَ في «باب فداء الأسير» ، ولقلّة ما أخرج منه أثبتناه، ولم نُثْبت له علامة (?) .

S (هتف به) : إذا ناداه وصاح به، والمراد به: الدعاء والتضرع في السؤال.

(العصابة) : الجماعة من الناس.

(يُناشده) المناشدة: المسألة والطلب، والابتهال إلى الله تعالى. -[186]-

(مُردِفِين) أي: متتابعين، يتبع بعضهم بعضاً.

(يشتدّ) الشدُّ: العَدْوُ.

(حَيْزُوم) : اسم فرس من خيل الملائكة الذين أمَدَّ الله بهم المسلمين يوم بدر.

(خُطِم أنفه) الحَطْم - بالحاء المهملة - الدَّقُّ والكسر، وبالخاء المعجمة: الأثر على الأنف، كما يُخْطَم البعيرُ بالكيِّ، يقال: خطمتُ البعير: إذا وسمتَه بكيٍّ في الأنف إلى أحد خديه، والخِطام: السِّمة في عرض الوجه إلى الخدِّ.

(صَنَادِيدِها) الصناديد جمع صِنْدِيد، وهو السيد الشجاع.

(فَهوِيَ) هَوِيت الشيء أهواه: إذا ملت إليه، ورغبت فيه.

(يُثخِن) قوله تعالى {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن} أي: حتى يُكثر فيها القتل، ويتمكَّن منها، وتقوى شوكته.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015