جامع الاصول (صفحة 4055)

الفرع الثالث: في آداب الإمام تخفيف الصلاة

3832 - (خ م د س) جابر - رضي الله عنه -: قال: «كان معاذُ بن جَبَل يصلِّي مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي فيؤمُّ قومَه، فصلَّى ليلة مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- العِشاءَ، ثم أتى قومَه فأمَّهم، فافتتح بـ {سورة البقرة} ، فانحرف رجل فسلَّم، ثم صلَّى وحدَه وانصرف، فقالوا له: أنافقتَ يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتينَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- فلأُخْبِرَنَّهُ، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله إنَّا أصحابُ نواضحَ نعمل بالنَّهار، وإن معاذاً صلى معك العشاءَ، ثم أتى فافتتح بـ {سورة البقرة} ، فأقبلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- على معاذ، فاقل: يا معاذُ، أفتَّان أنت؟ اقرأْ بكذا، واقرأ بكذا، قال سفيان: فقلت لعمرو [بن دينار] : إن أبا الزُّبَيْر حدثَّنا عن جابر أَنّه قال: اقرأ {والشمس وضحاها} {والضحى} ، {والليل إذا يغشى} و {سبح اسم ربك الأعلى} فقال عمرو نحو هذا» . أخرجه البخاري ومسلم، وللبخاري قال: «أقبل رجل بناضحين وقد جنحَ الليلُ، -[587]- فوافق معاذاً يصلِّي ... » وذكر نحوه، وقال في آخره: «فلولا صلَّيتَ بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى} فإنه يصلِّى وراءك الكبير والضعيف وذوُ الحاجة» ، أحسب في الحديث قال البخاري: وقال عمرو [بن دينار] وعبد الله بن مِقْسم وأبو الزبير عن جابر «قرأ معاذ في العشاء بـ {البقرة} » وأخرجه مسلم نحو ما تقدَّم بطوله، وفيه ذكْر السُّورِ التي تقدَّمت، ومنهم من رواه عن عمرو [بن دينار] عن جابر مختصراً «أن معاذاً كان يصلِّي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- عِشاءَ الآخرة، ثم يَرْجِعُ إلى قومه فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ» . وقد تقدّم ذلك.

وفي رواية أبي داود قال: «كان معاذ يصلَّي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم-، ثم يرْجعُ فيؤمُّنا - وقال مرة: ثم يرجع فيصلِّي بقومه، فأخَّر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-، ليلةً الصلاةَ - وقال مرة: العِشاءَ - فصلى معاذ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- ثم جاءَ يؤمُّ قوَمه، فقرأ {البقرة} ، فاعتزل رجل من القوم فصلَّى، فقيل له: نافقتَ يا فلان؟ فقال: ما نافقتُ. فأَتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- فقال: إن معاذاً يصلِّي [مَعَكَ] ، ثم يرجع فيؤمُّنا [يا رسولَ الله، وإنما نحن أصحاب نوَاضِح، ونعمل بأيدينا، وإنه جاء يؤمُّنا] فقرأ بـ {سورة البقرة} ، فقال: يا معاذ، أفتَّان أنتَ؟ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، اقرأ بكذا - قال أبو الزبير: {سبح اسم ربك الأعلى} ، -[588]- {والليل إذا يغشى} - فذكرنا لعمرو [بن دينار] فقال: أُراه قد ذكرَهُ» .

وفي رواية، قال: فقال: «يا معاذ لا تكن فتَّاناً، فإنه يصلي وراءَك الكبيرُ والضعيفُ وذُو الحاجة والمسافر» .

وفي أخرى لأبي داود، قال: وذكر قصة معاذ - قال: «وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم- للفتى: كيف تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟ قال أقرأُ بـ (فاتحة الكتاب) ، وأسألُ الله الجنة، وأعوذُ به من النار، وإني لا أدري ما دَنْدَنتُك ودندَنةُ معاذ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: أنا ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذلك» وأخرج النسائي الرواية الأولى، وله في أخرى قال: جاء رجل من الأنصار، وقد أُقيمت الصلاةُ، فدخلَ المسجدَ فصلَّى خلف معاذ، فطوَّل بهم، فانصرف الرجلُ فصلَّى في ناحية المسجد، ثم انطلق، فلما قضى معاذ الصلاة، قيل له: إن فلاناً فعل كذا وكذا، فقال معاذ: لئن أصبحتُ لأذكرنَّ ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم-، فأتى معاذ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك له، فأرسل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- إليه، فقال: ما حملك على الذي صنعتَ؟ قال: يا رسولَ الله، عمِلْتُ على ناضح من النهار فجئتُ وقد أُقيمت الصلاة، فدخلتُ معه الصلاةَ، فقرأ سورة كذا وكذا، فطوَّل، فانصرفتُ، [فصلَّيتُ] في ناحية المسجد، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: أفتَّان يا معاذ، أفتَّان يا معاذُ؟» وله في أخرى مختصراً، قال: «قام معاذ فصلى العشاءَ، الآخرة فطوَّل، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: أفتَّان يا معاذ؟ -[589]- أفتَّان يا معاذ؟ أين كنتَ عن {سَبِّح اسمَ ربِّك الأعلى} ، {والضحى} ، {وإذا السماء انفطرت} » وفي أخرى قال: «صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاءَ الآخرةَ فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا، فأُخبرَ معاذ عنه، فقال: إِنَّه منافق، فلما بلغَ ذلك الرجلَ دخل على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فأخبره بما قال معاذ، فقال له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «أتريد أن تكونَ فتَّاناً يا معاذ؟ إذا أممتَ الناسَ، فاقرأ بـ {الشمس وضحاها} و {سبح اسم ربك الأعلى} و {الليل إذا يغشى} ، و {اقرأ باسم ربك} » (?) .

S (نواضح) : النواضح: جمع ناضح، وهو البعير يُستقى عليه.

(جَنَحَ الليل) : أي أقبل ظلامه.

(دَنْدَنَتُك) : الدندنة هي أن يتكلم الإنسان بالكلام، فتُسمع نغمته، ولا يُفهم ما يقول.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015