جامع الاصول (صفحة 3765)

3542 - (ت د س) علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- كان يقول في آخر وترِهِ: «اللهم إني أعوذُ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك (?) ، لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي (?) . -[393]-

S (أعوذ برضاك من سخطك) : هذا الحديث قد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي فيما رويناه من كتبهم «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» قدموا الاستعاذة بالرضى من السخط، ثم بالمعافاة من العقوبة، ثم به منه، ورأيت بعض أكابر العلماء قد ذكر هذا الحديث في بعض كتبه، فبدأ بالمعافاة، ثم بالرضى، وذكر له معنى حسناً، فقال: إنما ابتدأ بالتعوذ بالمعافاة من العقوبة، لأن المعافاة والعقوبة من صفات الأفعال، كالإماتة والإحياء، والرضى والسخط: من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى، مترقياً إلى الأعلى، فلذلك بدأ بصفات الأفعال، ثم ثنَّى بصفات الذات، ثم لما ازداد يقيناً فيه وارتفاعاً: ترك الصفات، وقصر نظره على الذات، فقال: «وأعوذ بك منك» ثم ازداد قرباً بما استحيى به من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء، فقال: «لا أحصي ثناء عليك» ثم علم أن ذلك قصور، فقال: «أنت كما أثنيت على نفسك» وهذه انتقالات في درجات الصديقين، ومقامات العارفين، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.

وهذا التأويل الذي ذكره هذا العالم رحمه الله على حسنه إنما يتم له على الترتيب الذي أورده، من تقديم المعافاة على الرضى، [فأما] على ما ورد في رواية -[394]- هؤلاء الأئمة رحمهم الله، فلا ينتظم، على أن له وجهاً سديداً، وتأويلاً صالحاً، وذلك: أنه إنما قدَّم الاستعاذة بالرضى من السخط، لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضى، فإذا قال: «أعوذ برضاك من سخطك» فقد استعاذ بمعافاته من عقوبته، وكان الثاني داخلاً في حكم الأول.

فإن قيل: فإذا كان داخلاً في حكمه، فأي حاجة إلى إعادة ذكره؟ قيل: إن دلالة الأول على الثاني هي دلالة تضمين، فلا يُقنَع بها، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكَنى عنها أولاً، ثم صرح بها ثانياً، ولأن الراضي قد يُعَاقِب: إما لاستيفاء حق، أو لما يراه من المصلحة، فحيث احتمل هذا الأمر: عدل إلى الإفصاح بالاستعاذة من العقوبة، فقال: «وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك» ثم لما كمل له الأمران مصرِّحاً بهما، ترك النظر إلى الصفات، ولجأ إلى الذات كما سبق في الأول. والله أعلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015