جامع الاصول (صفحة 2293)

2076 - (خ) عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كنتُ أقرئ رجالاً مِنَ المهاجرين، منهم عبدُ الرحمن بنُ عوف (?) ، فبينما أنا في منزله بِمنى، وهو عند عمرَ بن الخطاب في آخر حَجَّةٍ حَجَّها، إذ رَجَعَ إليَّ عبدُ الرحمن، فقال: لو رأيتَ رَجُلاً أَتى أمِيرَ المؤمنينَ اليومَ، فقال: هل لك يا أميرَ -[91]- المؤمنين في فلان يَقول: لو قَد ماتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فلاناً، فواللهِ ما كانَتْ بَيْعَة أبي بكرٍ إلا فَلتَة [فَتَمَّتْ] فغضبَ عمرُ، ثم قال: إني إن شاءَ اللهُ لقائمٌ العَشِيَّةَ في الناس، فَمُحَذِّرُهُمُ هؤلاءِ الذين يُريدون أَن يُغضِبُوهم أمرهم (?) ، قال عبد الرحمن: فقلت: يا أَمير المؤمنين لا تَفعل، فإن المَوسِم يَجْمَعُ رِعَاعَ الناسِ وغَوغاءهُم، وإِنَّهُم هم الذين يَغْلبونَ على قُرْبِكَ حين تقُوم في الناس، فأنا أخشى أن تقوم، فتقولَ مقالة يطير بها أُولئك عند كلِّ مُطيرٍ (?) ، وأنْ لا يعُوها، وأن لا يَضَعُوها على مَوَاضِعِها، فَأمْهِل حتى تَقْدَمَ المدينةَ، فإنها دارُ الهجرة والسُّنَّةِ، فَتَخلُصَ بأهل الفقه، وأشرافِ الناسِ، فتقول ما قلتَ متمكِّناً، فَيعي أهلُ العلم مقالَتَكَ، ويَضَعوها على مواضعها، قال: فقال عمرُ: أما والله إن شاء الله لأقُومنَّ بذلك أَوَّلَ مَقامٍ أقومُهُ بالمدينةِ، قال ابن عباس: فَقَدِمْنا المدينةَ في عَقِب ذي الحِجَّةِ، فلما كان -[92]- يَومُ الجمعة عَجَّلنا بالرَّواح حينَ زاغَتِ الشمسُ - زاد رزين: فَخَرْجتُ في صَكَّةِ عُمِّيٍّ - حتى أَجدَ سعيدَ بن زَيدِ بن عمرو بن نُفيل جالساً إلى رُكْنِ المنبر، فجلستُ حَذوهُ (?) ، تَمسُّ رُكبَتي رُكبَتَهُ، فلم أَنشبْ أنْ خَرَجَ عُمرُ بن الخطاب، فَلَمَّا رأَيْتُهُ مُقْبلاً، قلتُ لِسعيدِ بنِ زيد بن عَمرو بن نُفيل: ليَقولَنَّ العشيةَ على المنبر مَقالة لم يَقُلْها مُنذُ استُخْلِفَ، فَأَنْكرَ عَليَّ. وقال: ما عَسى أن يقولَ ما لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ؟ .

فَجَلَسَ عُمرُ على المنبر، فَلما سَكَتَ المؤذِّنُ (?) قَامَ، فَأثْنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثم قال: أما بعدُ: فإني قَائلٌ لكم مقالة، قَد قُدِّرَ لي أن أقُولَها، لا أدري لَعَلَّها بَيْنَ يَدَيْ أجَلي (?) فَمَن عَقَلَها ووعَاهَا فَليُحَدِّثْ بِها حيث انْتَهتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمنْ خَشيَ أن لا يَعقِلَها فلا أُحِلُّ لأحَدٍ أنْ يَكْذِبَ عليَّ: إنَّ الله عزَّ وَجَلَّ بَعَثَ محمداً - صلى الله عليه وسلم- بالحقِّ، وَأنْزَلَ عليه الكتابَ، فكان ممَّا أَنزلَ الله عليه: آيةُ الرَّجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعَيْنَاهَا، ورَجَمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-، ورجمنا بعده، فأخْشى إن طَالَ بالنَّاسِ زمانٌ أنْ يقولَ قائلٌ: واللهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرجم في كتاب الله، -[93]- فَيَضِلُّوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَها الله (?) فَالرَّجْمُ في كتاب اللهِ حَقٌّ على مَنْ زَنى إذا أُحْصِنَ من الرجالِ والنساءِ، إذَا قَامَتِ البيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعترافُ، ثم إنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كتابِ الله: أَن لا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُم، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُم أَنْ تَرْغَبُوا عن آبائكم - أوْ إِنَّ كُفْراً بِكم (?) أنْ تَرْغبوا عن آبائكم- أَلا وإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تُطْرُوني (?) كما أُطْرِيَ عيسى بنُ مريم، وقولوا: عبدُ الله ورسولُه (?) » .

ثم إنه بلغني أنَّ قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمرُ بَايعتُ فُلاناً، فلا يَغتَرَّ امْرؤٌ أَنْ يقول: إنما كانت بَيعةُ أبي بَكرٍ فَلتَة، وَتَمَّتْ، أَلا وإنها قد كانت كذلك، ولكنَّ الله وَقَى شرَّها، وليس فيكم مَنْ تُقْطعُ إليه الأَعْنَاقُ مثلُ أبي بكر، [من بايع رجلاً عن غير مَشُورةٍ من المسلمين فلا يُبايَعُ هو ولا الذي بايعه تَغرَّة أن يقتلا] ، وإنَّهُ قد كان من خبرنا - حين تُوفِّي نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم- (?) - أَنَّ الأنصار خالفونا واجْتَمَعوا -[94]- بِأسرِهِمْ في سَقيفةِ بني سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عليٌّ والزُّبَيرُ ومن معهما.

واجتَمَعَ المهاجرونَ إلى أبي بكر، فَقُلْتُ لأبي بكر: [يا أبا بكر] ، انْطَلِق بِنَا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصارِ، فانطَلَقْنَا نُرِيدُهُم، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُم لَقِينا منهم رَجُلانِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا مَا تَمالأ عليه القوم، فقالا: أيْنَ تُرِيدُونَ يَا معشرَ المهاجرين؟ فقلنا: نُريدُ إخْوانَنَا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عَلَيْكم، لا تَقرَبُوهم (?) ، اقضُوا أمْرَكم، فقلت: والله لَنَأْتِيَنَّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سَقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مُزمَّلٌ بين ظَهرانيْهمْ، فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا سَعدُ بنُ عُبَادَةَ، فقلتُ: مَا لَهُ؟ قالوا: يُوعَكُ، فَلَمَا جَلَسْنا قليلاً تَشَهَّدَ خَطيبُهُمْ، فَأثْنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فَنحنُ أنْصارُ الله، وكتيبَةُ الإسلام، وَأنْتُمْ مَعَاشِرَ المهاجِرينَ رَهْطٌ مِنَّا، وقد دَفَّتْ دافَّةٌ من قومكم، فإذا هُمْ يريدون أنْ يَخْتَزِلونا من أصلنا، وأنْ يَحضُنُونَا من الأمر، فَلَما سكتَ أرَدتُ أن أتكلَّمَ، وكنتُ زَوَّرتُ مَقَالَة أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَها بين يديْ أبي بكرٍ، وكنتُ أُدَاري منه بعض الحَدِّ.

فلما أردتُ أن أتكلَّم قال أبو بكر: على رِسْلِك، فكرِهْتُ أن أُغْضِبَهُ، فتكلم أبو بكر، فكانَ هو أَحْلَمَ مِني، وأوقَرَ، والله ما تَرَكَ من كلمةٍ أعجَبَتْني في تَزْويرِي -[95]- إلا قال في بَدِيهتِهِ مِثْلهَا، أو أفضلَ منها، حتى سكتَ، فقال: ما ذكرتُم فيكم من خَيْرٍ، فَأنتم لَهُ أَهلٌ، وَلَنْ تَعرِفَ العربُ هذا الأمرَ إلا لهذا الحيِّ من قُريشٍ، هم أوْسَطُ العربِ نَسَباً، ودَاراً، وقد رَضِيتُ لكم أحَدَ هَذين الرجلين، فبَايِعُوا أيَّهُما شِئْتُم؟ فَأخَذَ بِيدِي، ويدِ أبي عُبَيدَةَ بن الجراح، وهو جالسٌ بيننا، فلم أكرَهْ مِمَّا قال غيرَها، كان والله أن أُقَدَّم فَتُضْرَبَ عُنُقي - لا يُقَرِّبُني ذلك من إثْمٍ - أَحَبَّ إِليَّ من أن أَتَأمَّرَ على قَومٍ فيهم أبو بكر، اللهم إلا أنْ تُسَوِّلَ لي نفسي عند الموتِ شيئاً لا أجِدُهُ الآن.

فقال قائل مِن الأنصارِ: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ، مِنَّا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، يا معشرَ قريش، فكثُرَ اللَّغطُ، وارتفعتِ الأصواتُ، حتى فَرِقْتُ من الاختلاف، فقلتُ: ابْسُط يَدَكَ يا أبا بكر، فبسطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعهُ المهَاجِرُونَ، ثم بايَعَتْهُ الأنصَارُ، وَنَزَوْنَا على سعدِ بنِ عُبَادَةَ، فقال قائلٌ منهم: قَتَلْتُمْ سعدَ بنَ عبادة، فقلتُ: قَتلَ الله سعدَ بن عبادةَ، قال عمرُ: وإنا واللهِ، مَا وَجَدنَا فِيما حَضَرَنَا مِنْ أمْرِنَا أقوى من مُبَايَعَةِ أبي بكر، خَشينَا إنْ فَارقنا القومَ، ولم تَكُنْ بَيْعَةٌ، أن يُبايِعوا رجلاً منهم بعدَنا، فإما تَابَعْناهم (?) على ما لا نرضى، وإما أن نُخَالِفَهُم فيكونَ -[96]- فسادٌ، فمن بايعَ رجلاً على غير مَشورَةٍ من المسلمين فلا يُتَابَع هُو، ولا الذي بَايَعهُ، تَغِرَّة أن يُقتَلا. هذه رواية البخاري.

وهو عند مسلم مختصر حديث الرجم، ولقلة ما أخرج منه لم نُثبِتْ له علامة.

وقد ذكر [منه] البخاري مفرداً في موضع آخر: «لا تُطرُوني كما أَطْرَتِ النَّصَارَى عيسى بنَ مريمَ» (?) . -[97]-

S (رعاع الناس) : عامتهم وسفلتهم.

(غوغاؤهم) : غوغاء الناس الذين يكثرون الجلبة (?) والضجة من غير تثبت.

(صكة عُمِّي) : كناية عن شدة الحر وقت الهاجرة، يقال: جاء صكة عُمِّي، أي في وقت الهاجرة، وغاية القيظ، وذلك أن الإنسان إذا خرج وقت الهاجرة لا يكاد يملأ عينيه من نور الشمس، أرادوا: أنه يصير أعمى، وعمَيّ تصغير أعمى مرخماً، وقيل: هو اسم رجل من العمالقة أغار على قوم ظهراً، فاستأصلهم، [فنسب الوقت إليه] .

(لم أنشب) : أي: لم ألبث، وأصله من نشبتُ في الشيء: إذا علقت فيه.

(تطروني) : الإطراء: المبالغة في المدح والإسراف فيه بما ليس في الممدوح. -[98]-

(تقطع دونه الأعناق) : أي ليس فيكم سابق إلى الخيرات تقطع أعناق مسابقيه سبقاً إلى كل خير مثل أبي بكر (?) ، كأنه تنقطع الأعناق من المشقة في تكلف السبق الذي لم ينالوه.

(فلتة وقى الله شرها) : الفلتة: الفجأة، وذلك أنهم لم ينتظروا ببيعة أبي بكر - رضي الله عنه - عامة الصحابة، وإنما ابتدرها عمر، ومن تابعه وقيل: الفلتة آخر ليلة من الأشهر الحرم، فيختلفون فيها: من الحل هي، أم من الحرم؟ فيسارع الموتور إلى درك الثأر، فيكثر الفساد، وتسفك الدماء، فشبه أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالأشهر الحرم، ويوم موته بالفلتة في وقوع الشر: من ارتداد العرب، وتخلف الأنصار عن الطاعة، ومنع من منع الزكاة، والجري على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلا رجل منها، ويجوز أن يريد بالفلتة: الخلسة، يعني: أن الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليها الأنفس، ولذلك كثر فيها التشاجر، فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعاً من الأيدي واختلاساً، ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيجة للفتن، فعصمهم الله من ذلك ووقى شرها. -[99]-

(ظهرانيهم) : يقال: جلست بين ظهراني القوم - بفتح النون - أي: بينهم وقد مر تفسير هذه اللفظة مستقصى في حرف الهمزة.

(مزَمَّل) : المزمل: المدثر المغطى بثوب ونحوه.

(يوعك) : الوعك: الحمى.

(كتيبة) : الكتيبة: الجيش.

(دفت دافة) : الدافة: الجماعة من أهل البادية، يقصدون المصر، أي: جاءت جماعة.

(يختزلونا) : أي يقطعونا عن مرادنا، وانخزل الرجل: ضعف.

(يحضنونا) : حضنت الرجل عن الأمر حضناً وحضانة إذا نحيته عنه، وانفردت به دونه.

(زَوَّرت) : أي هيأت ورتبت، والمراد رتبت في نفسي كلاماً لأذكره.

(بعض الحد) : الحد والحِدَّة: سواء من الغضب، يقال: حدّ يحدّ حدّاً وحِدَّة: إذا غضب.

(أدارئ) : المدارءة بالهمز المدافعة بلين وسكون، وبغير الهمز: الخديعة والمكر، وقيل: هما لغتان بمعنى.

(على رِسلك) : يقال: افعل ذلك على رسلك - بكسر الراء -: على هينتك وتؤدتك وتأنيك. -[100]-

(بديهته) : البديهة: ضد التروي والتفكر.

(تُسول) : سولت له نفسه شيئاً: زينته له وحسنته إليه.

(جذيلها المحكك) : الجذيل: تصغير الجذل، وهو عود ينصب للإبل الجربى تحتك به فتستشفى، والمحكك: الذي كثر به الاحتكاك حتى صار أملس.

(وعذيقها المرجب) : عذيقها: تصغير العذق - بفتح العين - وهو النخلة، والمرجب المسند بالرُّجْبة، وهي خشبة ذات شعبتين، وذلك إذا طالت الشجرة وكثر حملها اتخذوا ذلك لها، لضعفها عن كثرة حملها، والمعنى أني ذو رأي يستشفى به في الحوادث، لاسيما في مثل هذه الحادثة، وأني في ذلك كالعود الذي يشفي الجربى، وكالنخلة الكثيرة الحمل، من توفر مواد الآراء عندي، ثم إنه أشار بالرأي الصائب عنده، فقال: «منا أمير ومنكم أمير» .

(اللغط) : كثرة الأصوات واختلافها.

(فرقت) : الفرق: الخوف والفزع.

(ونزوا) : النزو: الوثب، ومنه نزا التيس على أنثاه.

(فلا يبايع هؤلاء الذي بايعه تغرة أن يقتلا) : التغرة: مصدر غررته إذا لقيته في الغرر، وهي من التغرير، كالتعلة من التعليل، وفي الكلام مضاف محذوف، تقديره: خوف تغرة أن يقتلا، أي: خوف إيقاعهما -[101]- في القتل، وانتصاب الخوف على أنه مفعول له، فحذف المضاف الذي هو الخوف، وأقام المضاف إليه - الذي هو «تغرة» - مقامه ويجوز أن يكون قوله: «أن يقتلا» بدلا من تغرة ويكون المضاف أيضاً محذوفاً، كالأول، ومن أضاف تغرة، إلى: أن يقتلا، فمعناه خوف تغرته قتلهما، على طريقة قوله تعالى: {بَلْ مَكرُ الليلِ والنهارِ} [سبأ: 33] .

ومعنى الحديث: أن البيعة حقها أن تقع صادرة عن المشورة والاتفاق، فإذا استبد رجلان دون الجماعة بمبايعة أحدهما الآخر: فذاك تظاهر منهما بشق العصا، واطراح الجماعة، فإن عقد لأحد فلا يكون المعقود له واحداً منهما، وليكونا معزولين من الطائفة التي تتفق على تمييز الإمام منها، لأنه إن عُقِدَ لواحد منهما - وهما قد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي أحقدت الجماعة، من التهاون بهم والاستغناء عن رأيهم - لم يؤمن أن يقتلا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015