جامع الاصول (صفحة 1150)

940 - (م ت د س) أبي بن كعب - رضي الله عنه -: قال: كنتُ في -[480]- المسجد، فدخل رجلٌ يُصَلِّي، فقرأ قِراءة أنْكَرْتُها، ثم دخل آخرُ، فقرأ قراءة سوىِ قراءةِ صَاحبه، فلمَّا قَضَيْنا الصلاةَ، دَخَلْنا جميعاً على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: إنَّ هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه، فدخل آخرُ فقرأ سِوى قراءةِ صَاحبهِ، فأمَرَهُما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شأْنَهُما، فَسُقِطَ في نَفسيِ منَ التَّكْذيِبِ، ولا إذْ كُنْتُ في الجاهلية (?) ، فلما رأَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قد غَشِيَني، ضَرَبَ في صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقاً، وكأنما أنظرُ إلى الله -عز وجل- فَرَقاً، فقال لي: يا أُبيُّ، أُرْسِلَ إليَّ: أنْ اقرأ القُرْآن على حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إليه: أنْ هَوِّنْ علي أُمَّتي، فردَّ إلي الثانية: أن اقْرأْهُ على حرفين، فردَدْتُ إليه: أنْ هَوِّنْ على أمتي، فردَّ إليَّ الثالثة: أنِ اقْرَأْهُ على سَبْعَةِ أحرفٍ، وَلَكَ بكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَها (?) مَسْأَلَةٌ تسْألُنيِها، فقلتُ: اللهم اغْفِرْ لأُمَّتي، وأخَّرْتُ الثالثةَ ليومٍ يَرْغَبُ إليَّ الْخَلقُ كلُّهُمْ حتى إبراهيمُ.

وفي رواية أخرى قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان عندَ أَضاةِ بَنيِ غِفارٍ (?) ، -[481]- فأتاه جبريلُ -عليه السلام -، فقال: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَقَرَأَ أُمَّتُكَ القرآن على حرفٍ، فقال: أَسألُ اللهَ مُعَافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال: إنَّ اللهَ يأْمُرَكَ أنْ تقرأ أمَّتُكَ القرآنَ على حرفين، فقال: أَسألُ اللهَ مُعَافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمَّتُكَ القرآن على ثلاثِة أَحرفٍ، فقال: أَسألُ اللهَ مُعَافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلك، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتُك القرآن على سبعة أحرفٍ، فَأَيُّما حَرْفٍ قرَؤوا عليه فقد أصابُوا. هذه رواية مسلم.

وفي رواية أَبي داود مثل الرواية الثانية، إلى قوله في أول مرة: «لا تُطيقُ ذلك» ، وقال: ثم أتاه ثانية فذكر نحو هذا حتى بَلَغَ سبعةَ أحرفٍ، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أُمتك على سبعة أحرفٍ، فَأيُّمَا حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابُوا.

وفي أُخرى له قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أُبيُّ، إني أُقْرِئتُ القرآن» ، فقيل لي: على حرفٍ أو حرفين؟ فقال المَلكُ الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثٍ؟ فقال المَلكُ الذي معي: قل: على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة، ثم قال: ليس منها إلا شَاف كافٍ، إنْ قلتَ: سَمِيعاً عَليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عذابٍ برَحْمَةٍ أو آيةَ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ.

وأخرج النسائي في الرواية الثانية من -[482]- روايتي مسلم.

وله في أخرى قال: أقْرأَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سُورة، فَبَيْنا أنا في المسجد جالسٌ، إذْ سمعتُ رُجلاً يَقْرَؤها بخلاف قِراءتي، فقلتُ له من علَّمكَ هذه السورة؟ فقال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا تُفارِقُني حتى نَأْتَيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا خالفَ قراءتي في السورةِ التي علَّمْتني، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اقْرأْها أُبيُّ، فقرأَتُها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أحْسَنتَ، ثم قال للرَّجُلِ: اقْرَأْ، فَخالفَ قِراءتي، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أحْسَنتَ، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا أُبيُّ، أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ كُلُّها شافٍ كافٍ.

وفي أخرى له قال: مَا حاكَ في صدري مُنذُ أَسلمتُ، إلا أنِّي قرأْتُ آية، وقرأها آخرُ غيرَ قراءتي، فقلت، أقرَأَنِيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: أقرَأَنِيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُ النبيَّ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أقرأْتَني آيةَ كذا، وكذا؟ قال: نعم، وقال الآخر: ألمْ تُقْرئِْني آية كذا وكذا؟ قال: نعم، إنَّ جبريل وميكائيل، أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يَساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرفٍ، وقال ميكائيل: اسْتَزِدْهُ، حتى بلغَ سبعة أحرفٍ، وكلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ.

وأخرج الترمذي عن أبيِّ بن كعبٍ هذا المعنى بغير هذا اللفظِ مخْتَصراً قال: لَقيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جبريلَ، فقال: يا جبريلُ، بُعِثتُ إلى أمَّة أمِّيِّينَ، فيهم العجوزُ والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ -[483]- كتاباً قَطُّ، فقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّ القرآن أُنزلَ على سبعةِ أَحرفٍ (?) .

S (شاف كاف) شاف: من الشفاء، وكاف: من الكفاية.

(فرقاً) الفرق: الفزغ.

(الأضاة) الغدير: وجمعها أَضَىً، مثل حَصَاة وحصى.

(أُمِّيِّينَ) الأُمِّيُّونَ: جمع أمي، وهو الذي لا يكتب، منسوب إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون. وقيل: الأمي: الذي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة، فهو على جبلته التي ولد عليها.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015