تفسير القرطبي (صفحة 1596)

[سورة آل عمران (3): آية 156]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا) يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ) يَعْنِي فِي النِّفَاقِ أَوْ فِي النَّسَبِ فِي السَّرَايَا الَّتِي بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ. (لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا) فَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. وَقَوْلُهُ: (إِذا ضَرَبُوا) هُوَ لِمَا مَضَى، أَيْ إِذْ ضَرَبُوا، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ كان" الَّذِينَ" بهما غَيْرَ مُوَقَّتٍ، فَوَقَعَ" إِذا" مَوْقِعَ" إِذْ" كَمَا يَقَعُ الْمَاضِي فِي الْجَزَاءِ مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ. وَمَعْنَى (ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) سَافَرُوا فِيهَا وَسَارُوا لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَمَاتُوا. (أَوْ كانُوا غُزًّى) غُزَاةً فَقُتِلُوا. وَالْغُزَّى جَمْعٌ مَنْقُوصٌ لَا يَتَغَيَّرُ لَفْظُهَا فِي رَفْعٍ وَخَفْضٍ، وَاحِدُهُمْ غَازٍ، كَرَاكِعٍ وَرُكَّعٍ، وَصَائِمٍ وَصُوَّمٍ، وَنَائِمٍ وَنُوَّمٍ، وَشَاهِدٍ وَشُهَّدٍ، وَغَائِبٍ وَغُيَّبٍ. وَيَجُوزُ فِي الْجَمْعِ غُزَاةٌ مِثْلَ قُضَاةٍ، وَغُزَّاءُ بِالْمَدِّ مِثْلُ ضُرَّابٍ وَصُوَّامٍ. وَيُقَالُ: غُزًّى «1» جَمْعُ الْغَزَاةِ. قَالَ الشَّاعِرُ «2»:

قُلْ لِلْقَوَافِلِ وَالْغُزَّى إِذَا غَزَوْا

وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَهُ" غُزًّى" بالتخفيف. والمغزية المرأة التي غرا زَوْجُهَا. وَأَتَانٌ مُغْزَيَةٌ مُتَأَخِّرَةُ النِّتَاجِ ثُمَّ تُنْتَجُ. وَأَغْزَتِ النَّاقَةُ إِذَا عَسُرَ لِقَاحُهَا. وَالْغَزْوُ قَصْدُ الشَّيْءِ. وَالْمَغْزَى الْمَقْصِدُ. وَيُقَالُ فِي النَّسَبِ إِلَى الغزو: غزوى.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015