تفسير القرطبي (صفحة 1520)

[سورة آل عمران (?): آية 110]

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110)

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" قَالَ: (أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ). وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَحْنُ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ نَسُوقُهُمْ بِالسَّلَاسِلِ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدُوا بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ كَانَ مِثْلَهُمْ. وَقِيلَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَأَهْلَ الْفَضْلِ. وَهُمُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «1». وَقَالَ مُجَاهِدٌ:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" عَلَى الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ [كُنْتُمْ] «2» فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقِيلَ: كُنْتُمْ مُذْ آمَنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. وَقِيلَ: جَاءَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الْبِشَارَةِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ. فَالْمَعْنَى كُنْتُمْ عِنْدَ مَنْ تَقَدَّمَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ خَيْرَ أُمَّةٍ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يُرِيدُ أَهْلَ أُمَّةٍ، أَيْ خَيْرَ أَهْلِ دِينٍ، وَأَنْشَدَ:

حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنَ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ «3»

وَقِيلَ: هِيَ كَانَ التَّامَّةُ، وَالْمَعْنَى خُلِقْتُمْ وَوُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ." فَخَيْرُ أُمَّةٍ" حَالٌ. وَقِيلَ: كَانَ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

وَجِيرَانٍ لنا كانوا كرام «4»

طور بواسطة نورين ميديا © 2015