تفسير القرطبي (صفحة 1508)

جِهَادِهِ، وَلَا تَأْخُذُكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَتَقُومُوا بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ. قَالَ «1» النَّحَّاسُ: وَكُلَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ وَلَا يَقَعُ فِيهِ نَسْخٌ. وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «2».

[سورة آل عمران (?): آية 103]

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاعْتَصِمُوا) الْعِصْمَةُ الْمَنْعَةُ، وَمِنْهُ يقال للبدرقة: عِصْمَةٌ. وَالْبَذْرَقَةُ: الْخَفَارَةُ لِلْقَافِلَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُرْسِلَ مَعَهَا مَنْ يَحْمِيهَا مِمَّنْ يُؤْذِيهَا. قَالَ ابْنُ خالويه: البدرقة لَيْسَتْ بِعَرَبِيَّةٍ وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ عَرَّبَتْهَا الْعَرَبُ، يُقَالُ: بَعَثَ السُّلْطَانُ بَذْرَقَةً مَعَ الْقَافِلَةِ. وَالْحَبْلُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ السَّبَبُ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ وَالْحَاجَةِ. وَالْحَبْلُ: حَبْلُ الْعَاتِقِ «3». وَالْحَبْلُ: مُسْتَطِيلٌ مِنَ الرَّمْلِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «4»: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ، وَالْحَبْلُ الرَّسَنِ. وَالْحَبْلُ الْعَهْدُ، قَالَ الْأَعْشَى:

وَإِذَا تُجَوِّزُهَا حبال قَبِيلَةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الْأُخْرَى إِلَيْكَ حِبَالَهَا

يُرِيدُ الْأَمَانَ. وَالْحَبْلُ الدَّاهِيَةُ، قَالَ كُثَيِّرٌ «5»:

فَلَا تَعْجَلِي يَا عَزُّ أَنْ تَتَفَهَّمِي ... بِنُصْحٍ أَتَى الْوَاشُونَ أم بحبول

طور بواسطة نورين ميديا © 2015