الأول ظرف على الثاني وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ من بصر القلب، أى: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأن الله إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادّة لله في حكمته وحكمه، وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة. وفيه دليل على أن القبيح من الله أقبح منه من عباده، لأنه أعلم العالمين وأحكم الحاكمين. أو تبصرونها بعضكم من بعض، لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها، لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة، وانهما كافى المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله:

وبح باسم ما تأتى وذرني من الكنى ... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر «1»

أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. فإن قلت: فسرت تبصرون بالعلم وبعده بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فكيف يكونون علماء وجهلاء؟ قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك. أو تجهلون العاقبة. أو أراد بالجهل. السفاهة والمجانة التي كانوا عليها فإن قلت: تَجْهَلُونَ صفة لقوم، والموصوف لفظه لفظ الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف فقرئ بالياء دون التاء؟ وكذلك بل أنتم قوم تفتنون؟ قلت: اجتمعت الغيبة والمخاطبة، فغلبت المخاطبة، لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة.

[سورة النمل (27) : الآيات 56 الى 58]

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)

وقرأ الأعمش: جواب قومه، بالرفع. والمشهورة أحسن يَتَطَهَّرُونَ يتنزهون عن القاذورات كلها، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هو استهزاء قَدَّرْناها قدّرنا كونها مِنَ الْغابِرِينَ كقوله قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ فالتقدير واقع على الغبور في المعنى.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015