فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80)
اسْتَيْأَسُوا يئسوا. وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مرّ في استعصم. و «النجي» على معنيين: يكون بمعنى المناجى، كالعشير والسمير بمعنى: المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا: وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل النجوى بمعناه. ومنه قيل: قوم نجى، كما قيل وَإِذْ هُمْ نَجْوى تنزيلا للمصدر منزلة الأوصاف. ويجوز أن يقال: هم نجى، كما قيل: هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية. قال:
إنِّى إذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ «1»
ومعنى خَلَصُوا اعتزلوا وانفردوا عن النسا خالصين لا يخالطهم سواهم نَجِيًّا ذوى نجوى، أو فوجا نجياً، أى مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً. وأحسن منه أنهم تمحضوا تناجياً، لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه يجدّ واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم، على أىّ صفة يذهبون؟ وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور كَبِيرُهُمْ في السنّ وهو روبيل. وقيل:
رئيسهم وهو شمعون: وقيل: كبيرهم في العقل والرأى وهو يهوذا ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فيه وجوه: أن تكون «ما» صلة، أى: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم.
وأن تكون مصدرية، على أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو مِنْ قَبْلُ