يوسف أنى لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإنى قد خنته حين قرفته «1» وقلت «جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن وأودعته السجن- تريد الاعتذار مما كان منها- إنّ كل نفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربى: إلا نفساً رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت. فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟
قلت: كفى بالمعنى دليلا قائدا «2» إلى أن يجعل من كلامه. ونحوه قوله قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ثم قال فَماذا تَأْمُرُونَ وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم. وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن ذلِكَ لِيَعْلَمَ متصل بقوله فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ولقد لفقت المبطلة «3» روايات مصنوعة، «4» فزعموا أن يوسف حين قال أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبريل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله «5» .
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)
يقال استخلصه واستخصه، إذا جعله خالصاً لنفسه وخاصاً به فَلَمَّا كَلَّمَهُ وشاهد منه ما لم يحتسب قالَ أيها الصديق إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ذو مكانة ومنزلة أَمِينٌ مؤتمن على كل شيء. روى أنّ الرسول جاءه فقال: أحب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله: اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات.
وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى «6» وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة