فلضرورة المواصلات تحدث إلى العلماء بمنافع تلك المخترعات وأن لكل زمان دولة ورجال، فكان ردُّ هؤلاء أن أقروا عمله وأيدوا اقتراحه، وذلك لما رأوا أنه لا ينتظم الأمر على مطلوبه إلا بذلك، فعند ذلك دخلت ألوان المدينة النافعة إلى الجزيرة وأصبح سيد الجزيرة يعمل لرفع مستوى التقدم والحضارة في مملكته، فنقل صاحب الجلالة وزارته الخارجية وأكثر دواوينه الرسمية إلى مكة لأنها أقرب إلى أوربا والخارج من الرياض، وقسم مملكته إلى قسمين الحجاز ونجد، فترك للأمير فيصل أمر الحجاز بالنيابة، ولولي عهده سعود حكم نجد، وكان يسمى كل منهما بنائب الملك، ورأى أيضاً صاحب الجلالة أنه بحاجة إلى جند منظم يكون جديد السلاح حديث البنادق، ولم يتأخر عن ذلك صارفاً جل اهتمامه، ووجد أن الحاجة ماسة إلى سيارات تنقل له جنده من مكان إلى آخر فيما إذا حدثت ثورة وكانت الضرورة تقتضي قمعها حالاً، فاشترى مائة للنقل من ورادات الحج التي كانت وفيرة، وهذا في أول هذه السنة وآخر التي قبلها، كما أنه أعطى بعض المصريين امتيازاً بنقل الحجاج بالسيارات بين مكة وجدة، وكانت الدول قد اعترفت بأنه ملك الحجاز ونجد وملحقاتها إلا ما كان من إيطاليا، فإنها ما اعترفت إلا بعد ذلك، وما كان بحاجة إلى أن تعترف له هي أو غيرها، بل لما تم له الاستيلاء على جدة قال له أحد الذين قابلوه أنه لا بد له من الحصول على اعتراف الدول به ملكاً على الحجاز، فأجابه بهذا الجواب البليغ:

نحن في جدة، ومن لا يقبل فليتقدم ليخرجنا، ثم رأى صاحب الجلالة بعد ما سعى في تقدم بلاده أن يبعث بنجله الأمير فيصل للمرة الثانية إلى أوربا، فركب الأمير البحر إلى لندن واستقبل هذه المرة استقبالاً يختلف عن استقباله في المرة الفائتة، فقد استقبله جورج الخامس وقلده وساماً رفيعاً وأكرمه الإنكليز كل الإكرام، وكان الفرنسيون غير الفرنسيين من الذين زار الأمير بلادهم مثل الإنكليز في إكرامه والاهتمام بزيارته، ورأى الأمير بأم عينيه وكان قد أصبح شاباً مثقفاً منافع الاختراعات الحديثة وضرورة الطائرات، فعاد إلى بلاده وأخذ يقنع والده

طور بواسطة نورين ميديا © 2015