يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ وَلَكِنَّهُ يَأْثَمُ فِيهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ أَمْرِ الْقَاضِي يُوجَعُ ضَرْبًا؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَهُوَ الْجَوْرَ وَيَقْضِي قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ إنْ وَهَبَتْ قَسْمَهَا لِلْأُخْرَى)؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَسْقُطُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْقَائِمِ، فَيَكُونُ الرُّجُوعُ امْتِنَاعًا بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ حَيْثُ يَرْجِعُ الْمُعِيرُ فِيهِ مَتَى شَاءَ لِمَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(كِتَابُ الرَّضَاعِ).

الرَّضَاعُ وَالرَّضَاعَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فِيهِمَا وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ مَعَ الْهَاءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (هُوَ مَصُّ الرَّضِيعِ مِنْ ثَدْيِ الْآدَمِيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ مُدَّةُ الرَّضَاعِ هَذَا فِي الشَّرْعِ وَفِي اللُّغَةِ لَا يَتَقَيَّدُ بِهَذِهِ الْقُيُودِ وَيَقُولُ لَئِيمٌ رَاضِعٌ لِلَّذِي يَرْضَعُ إبِلَهُ أَوْ غَنَمَهُ وَلَا يَحْلِبُهَا كَيْ لَا يُسْمَعَ صَوْتُ حَلْبِهِ فَيُطْلَبَ مِنْهُ اللَّبَنُ وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ، ثُمَّ قِيلَ لَيْسَ كِتَابُ الرَّضَاعِ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنَّمَا عَمِلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ لِيُرَوَّجَ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ فِي مُخْتَصَرِهِ.

وَقَالَ عَامَّتُهُمْ هُوَ أَوَائِلُ تَصْنِيفَاتِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ اكْتِفَاءً بِمَا أَوْرَدَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِهِ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ أَفْرَدَ لَهُ كِتَابًا لِمَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامٍ جَمَّةٍ تَخْتَصُّ بِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَحَرُمَ بِهِ وَإِنْ قَلَّ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا مَا حَرُمَ بِالنَّسَبِ) أَيْ حَرُمَ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ مَا حَرُمَ مِنْ النَّاسِ بِسَبَبِ النَّسَبِ إذَا وُجِدَ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَلَوْ كَانَ الرَّضَاعُ قَلِيلًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَحْرُمُ إلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ يَعْنِي مُشْبِعَاتٍ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ

قَالُوا هَذَا يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ النَّسْخِ حَتَّى إنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ كَانَ يَقْرَؤُهَا، وَعَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» وَفِي لَفْظٍ «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ وَالْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» وَهَذَا النَّفْيُ مَذْهَبُنَا وَالْأَوَّلُ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] عَلَّقَهُ بِفِعْلِ الْإِرْضَاعِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالْعَدَدِ وَالتَّقْيِيدُ بِهِ زِيَادَةٌ وَهُوَ نَسْخٌ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ عِلَّةِ حُكْمٍ فِي الشَّرْعِ كَثُبُوتِ الْمُصَاهَرَةِ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ وَلَا التَّكْرَارُ وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا مُطْلَقَةٌ مِنْهَا مَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» وَفِي لَفْظٍ «مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»،

وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنْ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنْ الْوِلَادَةِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِشُبْهَةِ

ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَهُوَ الْجَوْرُ وَيَقْضِي) وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْوَلْوَالِجِيِّ: لِأَنَّ الْقَسْمَ لَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الشَّارِحِ وَيَقْضِي، وَقَدْ نَقَلْت عِبَارَةَ الْوَلْوَالِجِيِّ عَلَى الْمَتْنِ فَانْظُرْهَا اهـ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ) أَيْ الْوَاحِدَةُ مِنْهُنَّ اهـ.

ع

[كِتَابُ الرَّضَاعِ]

لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدَ وَهُوَ لَا يَعِيشُ غَالِبًا فِي ابْتِدَاءِ إنْشَائِهِ إلَّا بِالرَّضَاعِ وَكَانَ لَهُ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ بِمُدَّةٍ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ إلَى آخِرِ أَحْكَامِهِ قِيلَ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ لَكِنَّهُ أَفْرَدَهُ بِكِتَابٍ عَلَى حِدَةٍ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَسَائِلَ كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَخَلْطِ اللَّبَنِ وَنَحْوِهِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ مَا تَتَعَلَّقُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هُنَا التَّفَاصِيلَ الْكَثِيرَةَ اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ) أَيْ وَعَلَيْهِ قَوْلُ السَّلُولِيِّ يَذُمُّ عُلَمَاءَ زَمَانِهِ وَذَمُّوا لَنَا الدُّنْيَا وَهُمْ يَرْضَعُونَهَا اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ فِي مُخْتَصَرِهِ) أَيْ الْمُسَمَّى بِالْكَافِي مَعَ الْتِزَامِهِ إيرَادَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ مَحْذُوفَةَ التَّعَالِيلِ اهـ.

فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الرَّضَاعُ قَلِيلًا) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، أَمَّا لَوْ شَكَّ فِيهِ بِأَنْ أَدْخَلَتْ الْحَلَمَةَ فِي فَمِ الصَّغِيرَةِ وَشَكَّتْ فِي الرَّضَاعِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالشَّكِّ وَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ صَبِيَّةً أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَرْيَةٍ وَلَا يَدْرِي مَنْ هِيَ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ مِنْ خُصُوصِيَّةِ امْرَأَةٍ وَالْوَاجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ لَا يُرْضِعْنَ كُلَّ صَبِيٍّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِذَا أَرْضَعْنَ فَلْيَحْفَظْنَ ذَلِكَ وَيُشْهِرْنَهُ وَيَكْتُبْنَهُ احْتِيَاطًا اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: يَعْنِي مُشْبِعَاتٍ) أَيْ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ مُتَفَاصِلَةٍ عُرْفًا، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَقَوْلِنَا وَكَقَوْلِهِ اهـ. فَتْحٌ (قَوْلُهُ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ») الْمَصَّةُ فِعْلُ الرَّضِيعِ وَالْإِمْلَاجَةُ فِعْلُ الْمُرْضِعِ وَهُوَ الْإِرْضَاعُ اهـ. (قَوْلُهُ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ») الْإِمْلَاجَةُ الْإِرْضَاعَةُ وَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ وَالْإِمْلَاجُ الْإِرْضَاعُ وَأَمْلَجْتُهُ أَرْضَعْته وَمَلَجَ هُوَ أُمَّهُ رَضَعَهَا. اهـ.

فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي أُصُولِ فِقْهِهِ فِي بَابِ إثْبَاتِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ فَقَالَ قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23] اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَسَيَأْتِي كَلَامُ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ حُكْمٌ فِي الشَّرْعِ) يَعْنِي أَنَّ الرَّضَاعَ لَمَّا كَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمَ الْحُرْمَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ إلَخْ) هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ بِأَنْ يُقَالَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ إلَّا بِالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَحْصُلُ بِهِ نُشُوزُ الْعَظْمِ وَإِنْبَاتُ اللَّحْمِ فَقَالَ إنْشَازُ الْعَظْمِ وَإِنْبَاتُ اللَّحْمِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015