وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة 31] . وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما أن عدي بن حاتم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد تنصر في الجاهلية فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية فقال للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم لم يعبدوهم فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"1.
وقال ابن عباس وحذيفة بن اليمان في تفسير هذه الآية: إنهم اتبعوهم فيما حللوا. وقال الربيع بن أنس قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية [في بني اسرائيل؟ قال: كانت الربوبية] 2 أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا فقالوا لن نسبق أحبارنا بشيء، فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا لقولهم. فاستنصحوا3 الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم4. وقال أبو البحتري: أما أنهم لم يصلو لهم ولو أمروهم أن يعبدوهم ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. انتهى.
فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسموا أحبارهم ورهبانهم أربا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم ولهذا قال عدي إنهم لم يعبدوهم، وحكم الشيء تابع لحقيقته لا لاسمه ولا لاعتقاد فاعله، فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم لهم في ذلك ليس بعبادة لهم فلم يكن ذلك عذرا لهم ولا مزيلا لاسم فعلهم ولا لحقيقته وحكمه