الملك أَبُو الجيش صاحب مصر وَالشَّام بعد والده سنة خمسين ومائتين. وولي الأمر سنة سبعين.

كان جوادًا ممدَّحًا، شجاعًا مبذّرًا بيوت الأموال، ذكر أَبُو الفتح بن مسرور البَلْخِيّ، عن عَليّ بن محمد المَاذَرَائيّ، عن عمّ أَبِيهِ أبي عَليّ الحُسَيْن بن أَحْمَد الكاتب قَالَ: كَانَ أَبُو الجيش خُمَارَوَيْه يتنزه بمرج دمشق بعذْرا، فغنّى له المغني صوتًا أبدل منه كلمة وَهُوَ:

قد قُلْتُ لَمَّا هاج قلبي الذكرى ... وأعرضت وسط السماء الشِّعْرى

ما أطيب الليل بسُر مرَّأى

فَقَالَ: ما أطيب الليل بمرج عذرا.

فأمر لَهُ أَبُو الجيش بمائة ألف دينار.

فَقُلْتُ: أيها الأمير، تعطي مغنيًا في بَدَلِ كلمة مائة ألف دينار، وتضايق المُعْتَضِد؟

فَقَالَ لي: كيف أعمل وقد أمرت، ولست أرجع؟

فقلت: نجعلها مائة ألف دينار درهم.

فقال لي: أطلقها له معجلة، وما بقي "لَهُ" نبسطها في سنين حَتَّى تصل إِلَيْهِ.

قَالَ ابن مسرور: وَحَدَّثَنِي أَبُو محمد، عن أَبِيهِ قَالَ: كنت مَعَ أبي الجيش عَلَى نهر ثور، فانحدر من الجبل أعرابي فأخذ بلجامه، فصاح بِهِ الغلمان فَقَالَ: دعوه.

قَالَ: أيها الملك اسمع لي.

قَالَ: قُل.

فَقَالَ:

إنَّ السِّنان وحدَّ السيف لو نطقا ... لحَدّثا عنك بين النَّاس بالعَجَبِ

أفنيت مالَك تُعطيه وتُنْهبُهُ ... يا آفة الفضّة البيضاءِ والذهب

فأعطاه خمسمائة دينار.

فَقَالَ: أيها الملك زدني.

فَقَالَ للغلمان: اطرحوا سيوفكم ومنَاطقكم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015