268 - عتبة الغلام بن أبان البصري، العابد.

268 - عُتْبَةُ الْغُلامُ بْنُ أَبَانٍ الْبَصْرِيُّ، الْعَابِدُ. [الوفاة: 161 - 170 ه]

عرف بالغلام بَيْنَ الْعُبَّادِ؛ لِأَنَّهُ تَنَسَّكَ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَكَانَ خَاشِعًا قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا.

وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو سعيد ابن الأَعْرَابِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعْدَانِ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: قَالَ السَّكَنُ: هُوَ عُتْبَةُ بْنُ أَبَانِ بْنِ صَمْعَةَ.

قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: قَالَ عُتْبَةُ الْغُلامُ: كَابَدْتُ الصَّلاةَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَنَعَّمْتُ بِهَا عِشْرِينَ سَنَةً.

قَالَ: وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ حَتَّى تَفَطَّرَتْ أَصَابِعُهُ، وَلَمْ يَدْرِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ يَقُولُ فِي تَهَجُّدِهِ: إِنْ عَذَّبْتَنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ، وَإِنْ تَرْحَمْنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ، وَكَانَ يَأْوِي إِلَى الْمَقَابِرِ وَالسَّوَاحِلِ، وَيَدْخُلُ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.

قَالَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ: قَالَ لِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: بِمَنْ تشَبَّهُ حُزْنُ هَذَا -[452]- الْغُلامِ؟ يَعْنِي عُتْبَةَ، قُلْتُ: بِحُزْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَا أَبْعَدْتَ.

وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: صَحِبْتُ عُتْبَةَ الْغُلامَ، وَكَانَ يُقَالُ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ فعُتْبَةُ الْغُلامُ، قَالَ لَنَا: اشتروا لي فَرَسًا يَغِيظُ الْعَدُوَّ.

وَكَانَ يَخْرُجُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَسْتَقْبَلَكَ أَحَدٌ؟ فَيَقُولُ: لا، اشْتِغَالا بِمَا هُوَ فِيهِ.

قَالَ: وَأَصَابَ النَّاسُ ظُلْمَةً، فَخَرَجَ عُتْبَةُ، وَيَدَاهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: وَأَنْتَ تَشْتَرِي التَّمْرَ!.

وَيُقَالُ: كَانَ عُتْبَةُ يَصُومُ الدَّهْرَ، وكان رأس ماله فلسا يأخذ به خوصا، فيعمله ويبيعه بثلاثة فلوس، فَيَأْكُلُ بِفَلْسٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِفَلْسٍ وَيَشْتَرِي خُوصًا بِفَلْسٍ.

قَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ إِنَّهُ رَأَى طَائِرًا، فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ، فَجَاءَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى يده، فقال له: طر، فطار.

وقيل: إنه كان لا يكاد ينقطع بكاؤه.

وَوَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يَأْوِي إِلَى مَنْزِلِهِ فَيُصِيبُ فِيهِ قُوتَهُ، لا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هُوَ، وكان ربما غشي عليه في الْمَوْعِظَةِ.

وَقَالَ رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ: بَاتَ عِنْدِي عُتْبَةُ الْغُلامُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ احْشُرْ عُتْبَةَ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَبُطُونِ السِّبَاعِ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ: حدثنا عبد الله بن عون الخراز، قال: حدثنا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: جَاءَنَا عُتْبَةُ الْغُلامُ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: الْغَزْوُ، قلت: مثلك يغزو! إني أريت أَنِّي آتِي الْمِصِّيصَةَ فَأَغْزُو فَأَسْتَشْهِدُ، قَالَ: فَنُودِيَ يَوْمًا فِي الْخَيَّالَةِ، فَنَفَرَ النَّاسُ، وَجَاءَ عُتْبَةُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي فَرَسِي، وَسِلاحِي فَإِنِّي قَدِ اعْتَلَلْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْطَاهُ، فَسَارَ مَعَ النَّاسِ، فَالْتَقَوُا الرُّومَ، فَكَانَ أَوَّلَ رجل استشهد. -[453]-

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الْبَصْرِيُّ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ بَكَّارٍ: أَشَهِدْتَ قَتْلَ عُتْبَةَ الْغُلامِ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ شَهِدَهُ مَخْلَدٌ، قُتِلَ فِي قَرْيَةِ الْحُبَابِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَطَاءٍ الْيَرْبُوعِيِّ، قَالَ: نَازَعَتْ عُتْبَةَ الْغُلامَ نَفْسُهُ لَحْمًا، فَقَالَ لَهَا: انْدَفِعِي عَنِّي إِلَى قَابِلٍ، فَمَا زَالَ يُدَافِعُهَا سَبْعَ سِنِينَ.

وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لا يُعْجِبُنِي رَجُلٌ لا يَحْتَرِفُ.

وَذَكَرَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عُتْبَةَ وَصَاحِبَهُ يَحْيَى الْوَاسِطِيَّ، فَقَالَ: كَأَنَّمَا رَبَّتْهُمُ الأَنْبِيَاءُ.

وَعَنْ عُتْبَةَ، قَالَ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ أَحَبَّهُ، وَمَنْ أَحَبَّهُ أَطَاعَهُ.

وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: رَأَيْتُ عُتْبَةَ الْغُلامَ، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ الطَّيْرَ تَجِيئُهُ.

وَقَالَ عَبْدُ الْخَالِقِ الْعَبْدِيُّ: كَانَ لِعُتْبَةَ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ قَفَلَهُ، وَقَالَ: لا تَفْتَحُوهُ حَتَّى يَبْلُغَكُمْ مَوْتِي، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُهُ فَتَحُوهُ، فَوَجَدُوا فِيهِ قَبْرًا مَحْفُورًا وَغُلَّ حَدِيدٍ.

وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَلَّمْتُ عُتْبَةَ الْغُلامَ لَيَرْفَقَ بِنَفْسِهِ فَبَكَى، وَقَالَ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى تَقْصِيرِي.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015