311 - عَبْد الملك بْن عِيسَى بْن أبي بَكْر بن أيوب، الملك القاهر، بهاء الدين ابن السّلطان الملك المعظّم. [المتوفى: 676 هـ]
وُلِدَ سنة اثنتين وعشرين وستّمائة. وسمع من ابن اللّتّيّ وغيره وحدَّث.
وكان حسن الأخلاق، سليم الصدر، كثير التواضع، يعاني زي الأعراب في لباسه ومركبه وخطابه ويتبادى. وكان بطلًا شجاعًا من الفُرسان المعدودين.
قَالَ الشيخ قطب الدين: حدثني تاج الدين نوح ابن شيخ السّلاميَّة أنّ الأمير عزّ الدّين أيدمر العلاني نائب صفد حدّثه قَالَ: كان الملك الظاهر مُولَعًا بالنّجوم، فأُخبِر أنّه يموت فِي هَذِهِ السّنة بالسُّمّ ملك. فوجم لذلك وكان عنده حَسَدٌ لمن يوصف بالشجاعة، أو يُذكر بجميل. وأنّ الملك القاهر لمّا كان مع السّلطان فِي وقعة البُلُسْتَيْن فعل أفاعيلَ عجيبةُ وبيّن يوم المَصَافّ وتعجّب النّاس منه، فحسده. وكان حصل للسّلطان نوعُ ندمٍ على تورَّطه فِي بلاد الروم، فحدثه الملك القاهر بما فِيهِ نوعٌ من الإنكار عليه، فأثّر أيضًا عنده. فَلَمَّا عاد بَلَغَه أنّ النّاس يُثْنون على ما فعل الملك القاهر، فتخيّل فِي ذِهنه أنّه إذا سمّه كان هُوَ الَّذِي ذكره المنجّمون؛ فأحضره عنده يوم الخميس ثالث عشر المحرَّم لشُرْب القُمْز وجعل السقية في وريقة في جيبه، للسّلطان ثلاث هنابات مختصّة به، كلّ هناب مع ساقٍ، فَمَنْ أكرمه السّلطان ناوله هنابًا منها، فاتّفق قيام القاهر ليبزل، فجعل السّلطان ما فِي الوُرَيقة فِي الهناب وأمسكه بيده وجاء القاهر فناوله الهناب، فقبّل الأرض وشربه. وقام السّلطان ليبزل، فأخذ السّاقي الهناب من يد القاهر وملأه على العادة ووقف. وأتى السلطان فتناول -[317]-
الهناب وشرِبه وهو لا يشعر أو نسي، فَلَمَّا شرب أفاق على نفسه وعلم أنّه شرب من ذلك الهناب وفيه آثار من السُّمّ، فتخيّل وحصل له وَعَكٌ وتمرّض ومات.
وأمّا القاهر فمات من الغد. ذكر العلّانيّ أنّه بَلَغَه ذلك من مطِّلِع على الأمور لا يشكّ فِي أخباره.
وقال شمس الدّين الْجَزَريّ: فِي منتصف محرَّم يوم السّبت مات القاهر فجاءة. كان راكبا بسوق الخيل، فاشتكى فؤاده، فأسرع إِلَى بيت أخته زَوْجَة الملك الزّاهر لقُربه، فأدركه الموت فِي باب الدّار.
وَفِي " تاريخ المؤيَّد ": اختُلِف فِي سبب موت القاهر، فَقِيل: انكسف القمر كلُّه وتكلَّم النّاس أنّه لموت كبير، فأراد الظاهر صَرْفَ ذلك عَنْهُ، فاستدعى القاهر وسمَّ له القُمز وسقاه، ثُمَّ نسي وشرب من ذلك النهاب، فحصل له حُمَّى محرقة.