382 - علي بن أبي الحسن بن منصور الشيخ أبو الحسن، وأبو محمد الحريري، مقدم الطائفة الفقراء الحريرية أولي الطيبة والسماعات والشاهد.

382 - عَلِيّ بْن أَبِي الْحَسَن بْن مَنْصُور الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن، وَأَبُو مُحَمَّد الحريريّ، مقدّم الطّائفة الفقراء الحريريّة أولي الطّيبة والسّماعات والشّاهد. [المتوفى: 645 هـ]

كَانَ لَهُ شأن عجيب ونبأ غريب. وهو حورانيّ من عشيرة يُقال لهم: بنو -[521]- الرّمان. وُلِدَ بقرية بُسْر، وقدِم دمشق صبيًّا فنشأ بِهَا. وذكر الشَّيْخ أنّ مرجع قومه إلى قبيلةٍ من أعراب الشّام يُعرفون ببني قرقر- وفي قرية مردا من جبل نابلس قوم من بني قرقر-. وكانت أمّ الشّيخ دمشقيّة من ذُرّيّة الأمير قِرْواش بْن المسيّب العُقَيْليّ، وكان خاله صاحب دُكّان بسوق الصّاغة.

قال النجم ابن إسرائيل الشّاعر: أدركتُه ورأيته. قَالَ: وَتُوُفّي والد الشَّيْخ وهو صغير فنشأ فِي حَجْر عمّه، وتعلّم صنعة العتّابيّ، وبرع فيها حتّى فاق الأقران. ثُمَّ اقتطعه اللَّه إلى جنابه العزيز فصحِب الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ المغربل خادم الشَّيْخ رسلان.

قرأت بخط الحافظ سيف الدين ابن المجد ما صورته: علي الحريري وطئ أرض الجبل ولم يكن ممّن يمكنه المقام بِهِ، والحمد لله. كَانَ من أفتن شيء وأضره على الإسلام؛ تظهر منه الزَّنْدقة والاستهزاء بأوامر الشّرع ونواهيه. وبلغني من الثّقات بدء أشياء يُسْتَعْظَم ذِكرُها من الزَّنْدقة والْجُرأة عَلَى اللَّه. وكان مُسْتَخِفًّا بأمر الصّلوات وانتهاك الحُرُمات.

ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُل أنّ شخصًا دخل الحمّام فرأى الحريريَّ فِيهِ ومعه صبيان حسان بلا مآزر، فجاء إِلَيْهِ فَقَالَ: ما هذا؟ فَقَالَ: كأنّ لَيْسَ سوى هذا، وأشار إلى أحدهم تمدَّد عَلَى وجهك، فتمدّد. فتركه الرجل وخرج هاربًا ممّا رَأَى! وحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاق الصَّريفينيّ قَالَ: قلت للحريريّ: ما الحُجَّةُ فِي الرَّقص؟ قَالَ: قوله: " إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَها ". وكان يُطْعِم ويُنْفق ويهوِّن أمورَ الدّين فيتبعه كلُّ مريب. وشاع خبره. وشهِد عَلَيْهِ خلقٌ كثير بما رأوا منه ومن أصحابه بما يوجب القتْل. ورُفِع أمره إلى السّلطان، فلم يقدم عَلَى قتله، بل سجنه مرّة بعد أخرى، ثُمَّ أُطلِق والله المستعان عَلَى هذه المصيبة التي لم يُصَب المسلمون بمثلها.

قلت: رحم اللَّه السّيفَ ابن المجد ورضي عَنْهُ، فكيف لو رَأَى كلام الشيخ ابن العربيّ الَّذِي هُوَ محض الكُفْر والزَّنْدقة؟ لقال: إن هذا الدجال المنتظر. ولكنْ كَانَ ابن العربيّ منقبضًا عَن الناس، إنما يجتمع بِهِ آحاد الاتّحادية، ولا يصّرح بأمره لكل أحد، ولم تشتهر كُتُبه إلا بعد موته بمدّة. ولهذا تمادى أمره، فلما كان على رأس السبعمائة جدّد اللَّه لهذه الأمّة دينها بهتْكه وفضيحته، ودار -[522]-

بين العلماء كتابه "الفصوص". وقد حطّ عَلَيْهِ الشَّيْخ القُدوة الصّالح إِبْرَاهِيم بْن معضاد الْجَعْبَريّ، فيما حَدَّثَنِي بِهِ شيخُنا ابن تَيْميّة، عَن التّاج البرنْباريّ، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم يذكر ابنَ العربيّ فَقَالَ: كَانَ يقول بقِدَم العالم ولا يُحرِّم فَرْجًا.

وأنبأنا العلّامة ابنِ دقيق العيد أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخ عز الدين ابن عَبْد السّلام يَقْولُ فِي ابن العربيّ: شيخ سوء كذّاب.

وممّن حطّ عَلَيْهِ وحذّر من كلامه الشَّيْخ القُدوة الوليّ إِبْرَاهِيم الرّقّي.

وممّن أفتى بأنّ كتابه " الفصوص" فِيهِ الكُفْر الأكبر قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وقاضي القُضاة سعد الدّين الحارثيّ، والعلّامة زين الدّين عُمَر بْن أَبِي الحَرَم الكتّانيّ، وجماعة سواهم.

وأمّا الحريري فكان متهتّكًا، قد ألقى جِلْباب الحياء، وشطح حتّى افتضح، واشتهر مُروقُه واتضح. وأبلغ ما يقوله في هؤلاء جبناء العلماء أنّ لكلامهم معاني وراء ما نفهمه نَحْنُ، مَعَ اعترافهم بأنّ هذا الكلام من حيث الخطاب العربي كُفْر وإلحاد، لا يخالف فِي ذَلِكَ عاقل منهم إلّا من عاند وكابر.

فخُذْ ما قاله الحريري في "جزء" مجموع من كلامه يتداوله أصحابُه بينهم قَالَ: إذا دخل مريدي بلدَ الرّوم، وتنصّر، وأكل لحم الخنزير، وشرِب الخمر كَانَ فِي شُغلي.

وسأله رَجُل: أيّ الطُّرُق أقرب إلى اللَّه حتَّى أسير فيه؟ فقال له: اترك السير وقد وصلتَ.

قلت: هذا مثل قول العفيف التّلمِسانيّ:

فلسوفَ تعلم أنّ سيرَك لم يكنْ ... إلّا إليك إذا بلغت المنزلا

وقال لأصحابه: بايِعُوني عَلَى أن نموتَ يهودَ، ونُحشر إلى النّار حتّى لا يصاحبني أحد لعِلّة.

وقال: ما يَحْسُن بالفقير أن ينهزم من شيء، ويَحْسُن بِهِ إذا خاف شيئًا قصده.

وقال: لو قدم عليَّ من قتل ولدي وهو بذلك طيّب وجدني أطيب منه. -[523]-

وللحريريّ فِي " الجزء" المذكور:

أمرد يقدِّم مداسي أَخْيَرُ من رضوانكم ... ورُبْع قحبةٍ عندي أحسنُ من الولدان

قالوا: أنت تدعى صالح دع عنك هذي الخندقة ... قلت: السّماع يصلح لي بالشّمع والمردان

ما أعرف لآدم طاعةً إلّا سجود الملائكة ... وما أعرف آدم عصى الله تعظيم الرحمن

إن كنت أُقجي تقدّم وإن كنت رمّاحا انتبه، وإن كنت حشو المخدّة أُخرُجْ ورُدَّ الباب!.

أوّد اشتهي قبل موتي أعشق ولو صورة حجر، أنا مثّكلٌ محيرّ والعشق بي مشغول.

وقال النجم ابن إسرائيل: قَالَ لي الشَّيْخ مرّةً: ما معنى قوله تعالى: " كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأهَا اللَّهُ " فقلت: سيّدي يَقْولُ وأنا أسمع. قَالَ: ويحك من الموقد ومن المطفئ؟ لا تسمع لله كلامًا إلّا منك فيك، قلت: ومن أين لي؟ قال: بمحو آنيّتك، وقال: لو ذبحت بيدي سبعين نبيًّا ما اعتقدت أنيّ مخطئ. يعني لو ذبحتهم لفعلت ما أراده اللَّه منّي، إذ لا يقع شيء في الكون إلا بإرادته سبحانه وتعالى.

قلت: وطرد ذَلِكَ أنّ اللَّه أراد منا أن نلعن قتلة الأنبياء، ونبرأ منهم، ونعتقد أنّهم أصحاب النّار، وأن نلعن الزّنادقة، ونضرب أعناقهم، وإلّا فلأَيِّ شيءٍ خُلِقت جهنَّم؟ واشتدّ غضب اللَّه عَلَى من قتل نبياً، فكيف بمن يقتل سبعين نبيًّا؟ والله تعالى يحبّ الأبرار، ويبغض الفجّار، ويخلّدهم فِي النّار، مَعَ كونه أراد إيجاد الكفر والإيمان فهو يريد الشيّء، فإنّه لا يكون إلّا ما يريد. ولكنه لا يرضى لعباده الكُفْر ولا يحبّه، نعم يريده ولا يُسأل عمّا يفعل، ولا يُعتَرَض عَلَيْهِ، فإنّه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، لا يخلق شيئًا إلّا لحكمة، لكن عقولنا قصيرة عَن إدراك حكمته، فالخلْق ملكه، والأمر أمره ولا مُعَقِّب لُحكمه، يخلِّد الكفّار فِي النّار بعدله وحكمته، ويخلّد الأبرار فِي الجنّة بفضله ورحمته. فجميع ما يقع فِي الوجود فبِأمره وحكمته، وعدم علمنا بمعرفة حكمته لا يدلّ -[524]-

عَلَى أَنَّهُ يخلق شيئًا بلا حكمة تعالى اللَّه عَن ذَلِكَ " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ ترْجَعُونَ ".

وقال أبو الحسن علي بن أنجب ابن السّاعي فِي " تاريخه ": الفقير الحريريّ الدّمشقيّ شيخ عجيب الحال، لَهُ زاوية بدمشق يقصده بِهَا الفقراء وغيرهم من أبناء الدّنيا، وكان يُعاشر الأحداث ويَصْحبهم ويقيمون عنده، وكان النّاس يُكثرون القول فِيهِ، وينسبونه إلى ما لا يجوز، حتّى كَانَ يقال عَنْهُ إنّه مُباحيّ، ولم تكن عنده مراقبة ولا مبالاة، بل يدخل مَعَ الصّبيان الأحداث، ويعتمد معهم ما يسمّونه تخريبًا، والفقهاء يُنكرون فِعْله، ويوجّهون الإنكار نحوه، حتى إنّ سلطان دمشق أخذه مِرارًا وحبسه، وهو لا يرجع عَن ذَلِكَ ويزعم أَنَّهُ صحيح فِي نفسه. وكان لَهُ قَبُول عظيم لا سيّما عند الأحداث، فإنّه كَانَ إذا وقع نظره عَلَى أحدٍ من الأحداث سواء كَانَ من أولاد الأمراء أو أولاد الأجناد أو غيرهم يحسن ظنّه فِيهِ، ويميل إِلَيْهِ، ولا يعود ينتفع بِهِ أهله، بل يلازمه ويقيم عنده اعتقادًا فِيهِ.

وكان أمره مشكلًا، والله يتولّى السّرائر. ولم يزل عَلَى ذَلِكَ إلى حين وفاته. وكان فِيهِ لُطف. وله شِعر، فمنه:

كم تتعبني بصحبة الأجساد ... كم تسهرني بلذّة الميعاد

جُد لي بمُدامة تقوّي رَمَقي ... والجنّة جُد بِهَا عَلَى الزّهّاد

وقال الإِمَام أَبُو شامة: الشَّيْخ عَلِيّ الحريريّ المقيم بقرية بُسْر، كَانَ يتردّد إلى دمشق، وتبِعه طائفة من الفقراء المعروفين بالحريريّة أصحاب الزِّيّ المنافي للشّريعة وباطنهم شر من ظاهرهم، إلا من رجع إلى الله منهم.

وكان عند هذا الحريريّ من القيام بواجب الشّريعة، ما لم يعرفه أحد من المتشّرعين ظاهرًا وباطنًا، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عند أحد فِي عصره من المحافظة عَلَى محبّة اللَّه وذِكره والدّعاء إِلَيْهِ والمعرفة بِهِ. وأكثر النّاس يغلطون فِي أمره الظّاهر وفي أمره الباطن. ولقد أفتى فِيهِ مشايخ العلماء -[525]-

- يعرّض بابن عَبْد السّلام لكونه أُخرِج من دمشق - وما بلغوا منتهى فُتْياهم، وبلغ هُوَ فيهم ما كانوا يريدون أن يبلغوه فيه، ولقد كَانَ - قدّس اللَّه روحه - مكاشفًا لِما فِي صدور خلق اللَّه ممّا يضمرونه، بحيث قد أطلعه اللَّه عَلَى سرائر خلْقه وأوليائه.

قلت: المكاشفة لما فِي ضمائر الصّدور قَدَر مشترك بين أولياء اللَّه وبين الكُهّان والمجانين. ولكنّ الشَّيْخ شهاب الدّين يتكلّم من وراء العافية، ويُحسِن الظّنَّ بالصّالحين والمجهولين، والله يثيبه عَلَى حُسْن قصده وصِدْق أدبه مَعَ أُولي الأحوال، ونحن فالله يُثيْبنا عَلَى مقاصدنا، والله هُوَ المطّلع عَلَى نيّاتنا ومُرادنا، وهو حسبنا ونِعْمَ الوكيل، قَالَ اللَّه تعالى: " وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحَونَ إِلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ".

ولبعضهم:

دُفٌّ ومِزْمار ونَغِمةُ شادنٍ ... فمتى رَأَيْت عبادةً بملاهي

يا فرقة ما ضر دين محمد ... وسطا عَلَيْهِ وملّة إلّا هِيَ

ومن قول الحريريّ: الشعر باب السر.

قلت: بل باب الشر، فإنه ينبت النّفاق فِي القلب، وقال عَلَيْهِ السّلام: " لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قَيْحًا خيرٌ لَهُ من أن يمتلئ شِعرًا. "

ونهى أصحابه عَن غلْق الباب وقت السّماع حتّى عَن اليهود والنّصارى وقال: دار الضَّرْب الّتي للسّلطان مفتوحة، وضارب الزَّغَل يُغلق بابه. وقال: لو اعتقدت أنيّ تركت شرب الخمر عدت إليه. وله مِن هذا الهَذَيان شيء كثير.

وذكر النّسّابة فِي " تعاليقه " قَالَ: وفي سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة أمر الصالح بطلب الحريري واعتقاله فهرب إلى بُسْر، وسببه أنّ ابن الصّلاح، وابن -[526]-

عَبْد السّلام، وابن الحاجب أفتوا بقتله لِما اشتهر عنه من الإباحة، وقذف الأنبياء والفسْق، وترك الصّلاة. وقال الملك الصّالح أخو السّلطان: أَنَا أعرف منه أكثر من ذَلِكَ. وسجن الوالي جماعة من أصحابه، وتبرّأ منه أصحابه وشتموه، ثُمَّ طُلِب وحبِس بعِزتا، فجعل ناس يترددون إليه فأنكرالفقهاء، وأرسلوا إلى الوزير ابن مرزوق: إنْ لم تعمل الواجب فِيهِ وإلّا قتلناه نَحْنُ. وكان ابن الصّلاح يدعو عَلَيْهِ فِي أثناء كلّ صلاةٍ بالجامع جَهْرًا، وكتب طائفةٌ من أصحابه غير محضرٍ بالبراءة منه.

قلت: ومن كلامه المليح: دورت طول عمري على من ينصفني فوجدت فرد واحد، فلمّا أنصفني ما أنصفتُه.

وقال: أقمتُ شهرًا لا أفتر من الذّكْر، فكنت ليلةً فِي بيتٍ مظلم فجفّ لساني، ولم يبق فِي حركةٌ سوى أنيّ أسمع ذِكر أعضائي بسمعي.

وقال: ما يحسن أن تكون العبادة هِيَ المعبود.

وقال: أعلى ما للفقير الاندحاض.

وكان الحريريّ يلبس الطّويل والقصير والمدوَّر والمفرَّج، والأبيض والأسود، والعمامة والمِئزَر والقَلَنْسُوَة وحدها، وثوب المرأة والمطرّز والملوّن، وسأله أصحابه لمّا حُبِس أن يسأل ويتشفَّع، فلم يفعل، فلمّا أقام أربع سنين زاد سؤالهم، فأمرهم أن يكتبوا قَصّةً فيها: " من الخلق الضعيف إلى الرأي الشّريف، ممّن هُوَ ذنب كلّه إلى من هُوَ عفْوٌ كلّه، سبب هذه المكاتبة الضّعف عَن المعاتبة، أصغر خَدَم الفقراء عليّ الحريريّ:

فقيرٌ ولكن من صلاح ومن تُقَى ... وشيخ ولكن للفُسُوق إمامُ "

فسَعوا بالقَصَّة وأرادوا أن تصل إلى السّلطان، فما قرأ أحد من الدولة القصة إلّا ورماها، فبلغه ذَلِكَ، فاحتدّ، وقال: لأجل هذا ما أذنت لكم بالسعي.

وأقام فِي عزتا ستَّ سنين وسبعة أشهر، يعني فِي الحبْس، وأصاب النّاسَ جدْبٌ، وكان هُوَ - فِي ذَلِكَ الوقت - يركب الخيل العربيّة ويلبس الملبوس الجميل، ولم يكن فِي بيته حصير، وربّما تغطّى هُوَ وأهلُه بجِلّ الفَرَس. وقال: نسجت ثوب حرير يلبس كما جرت العوائد والثوب كالثياب المعتادة بالتخاريس والأكمام والنيافق، والكل نسيج لم يدخل فِيهِ خَيْطٌ ولا إبْرة، فلمّا فرغ وزفوه -[527]-

فِي البلد، وشهد الصُّنّاع بصحّته، تركته وبكيت، فَقَالَ لي إنسان: عَلَى أَيْشٍ تبكي؟ فقلت: على زمان ضيعته في فكري في عملي هذا كيف ما كَانَ فيما هُوَ أهم منه.

وقال لنا صاحبنا شمسُ الدّين مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْجَزَريّ فِي " تاريخه ": حكى لي زينُ الدّين أَبُو الحَرَم بْن مُحَمَّد بْن عنيزة الدّمشقيّ الحريريّ قَالَ: كَانَ أَبِي مجاور الشَّيْخ عَلِيّ الحريريّ بدُكّان عَلَى رأس درب الصّقيل، وكان قد وقف عَلَى الشَّيْخ عَلِيّ دراهمَ كثيرة، فحبسوه، ودخل الحبْس وما معه دِرهم، فبات بلا عَشاء، فلمّا كَانَ بُكْرةً صلّى بالمُحَبَّسِين، وقعد يذكّر بهم إلى ساعتين من النّهار، وبقي كلُّ من يجيئه شيء مِن أهله من المأكول يشيله، فلمّا قارب وقت الظُّهر أمرهم بمدّ ما جاءهم، فأكل جميع المحبَّسين وفضل منه، ثُمَّ صلّى بهم الظُّهر، وأمرهم أن يناموا ويستريحوا، ثُمَّ صلّى بهم العصر، وقعد يذكر بهم إلى المغرب، وكلّما جاءهم شيء رفعه، ثم مدوه بعد المغرب مَعَ فضلة الغداء، فأكلوا وفضل شيء كثير. فلمّا كَانَ فِي ثالث يوم أمرهم: مَن عَلَيْهِ أقلّ من مائة درهم أن يَجْبوا لَهُ من بينهم، فخرج منهم جماعة وشرعوا فِي خلاص الباقين- يعني الّذين خرجوا - وأقام ستّة أشهر، فخرج خلْقٌ كثير؛ ثم إنّهم جَبَوا لَهُ وأخرجوه، وعاد إلى دُكّانه. وصار أولئك المحبَّسون فيما بعد يأتونه العصر، ويطْلعون بِهِ إلى عند قبر الشَّيْخ رسلان فيذكر بهم. وربّما يطلعون إلى الجسر الغيدي، وكلّ يوم يتجدّد لَهُ أصحابٌ إلى أن آل أمرُه إلى ما آل.

وقال الْجَزَريّ أيضًا: حَدَّثَنِي عماد الدّين يحيى بْن أَحْمَد الحسني البصروي، ومؤيد الدين علي ابن خطيب عقرباء أن جمال الدين خطيب عقرباء جدّ المؤيّد، والفَلَك المسيريّ الوزير، وابن سلام، طلعوا إلى قرية للفلك بنوى فعزموا عَلَى زيارة الحريريّ ببسر، فَقَالَ أحدهم: إنْ كَانَ رجلًا صالحًا فعند وصولنا يُطْعمنا بسيسة، وقال الآخر: ويطعمنا بطيخا أخضر، وقال الآخر: ويحضر لنا فقاعاً بثلج. فأتَوْه فتلقّاهم أحسن مُلْتقى، وأَحضر البسيسة، وأشار إلى من اشتهاها أنْ كُلْ، وأحضَر البِطّيخ وأشار إلى الآخر أنْ كُل. ثُمَّ نظر إلى الَّذِي اشتهى الفُقّاع وقال: كَانَ عندي باب البريد. ثُمَّ دخل فقير وعلى رأسه دَسْت فُقّاع وثلج فَقَالَ: اشربْ بسم اللَّه.

وذكر المولى بهاءُ الدّين يوسف بْن أحمد ابن العجميّ- فيما حَدَّثَنِي بِهِ -[528]-

رَجُل معتبر عَنْهُ - أنّ الصّاحب مجد الدّين ابن العديم حدّثه عَن أَبِيهِ الصّاحب كمال الدّين قال: كنت أكره الحريري وطريقه، فاتفق أنني حججتُ، فحجّ فِي الرّكْب ومعه جماعة ومُرْدان، فأحرموا وبقي تبدو منهم فِي الإحرام أمورٌ مُنْكَرَة. فحضرتُ يومًا عند أمير الحاجّ فجاء الحريريّ، فاتّفق حضور إنسان بَعْلَبَكّيّ وأحضر ملاعق بَعْلَبَكّيّة، ففرّق علينا لكلّ واحدٍ مِلْعَقَتَين، وأعطى للشَّيْخ الحريريّ واحدةً، فأعطاه الجماعة ملاعقهم تكرمةً لَهُ، وأمّا أَنَا فلم أُعْطِهِ مِلْعقتي، فَقَالَ: يا كمال الدّين، ما لَكَ لا توافق الجماعة؟ فقلت: ما أعطيك شيئاً. فقال: الساعة نكسرك أو نحو هذا. قَالَ: والمِلْعقتان عَلَى رُكبتي، فنظرت إليهما فإذا بهما قد انكسرتا شقفتين، فقلت: ومع هذا فما أرجع عَن أمري فيك، وهذا من الشّيطان. أو قَالَ: هذا حال شيطانيّ.

وقال ابن إسرائيل فيما جمعه من أخبار الحريريّ: صحِبْتُه حَضَرًا وسَفَرًا، وبلغ سبعاً وتسعين سنة - كذا قَالَ ابن إسرائيل - قَالَ: وَتُوُفّي في الساعة التاسعة من يوم الجمعة السّادس والعشرين من رمضان سنة خمسٍ وأربعين من غير مرض. وكان أخبر بذلك قبل وقوعه بمدّة. ثُمَّ قَالَ ابن إسرائيل: وشهر إخبارا متواترا في اليوم الذي عبر فِيهِ فِي ليلته بحيث إنّه أوصى كما يوصي من هُوَ بآخر رمق، وهو حينئذٍ أصحّ ما كَانَ، وقُبِضَ جالسًا مستقبل القِبْلة ضاحكًا. وحضرتُ وفاتَه وغسَّلتُه وأَلْحدْتُهُ. ورثيته بهذه القصيدة:

خطبٌ كما شاء الإلهُ جليلُ ... ذهلتْ لديه بصائرُ وعُقُولُ

قلت: وهي نيفٌ وسبعون بيتاً.

وسن أصحابه المحيا كلّ عام فِي ليلة سبعة وعشرين، وهي من ليالي القدر، فيُحْيُون تِلْكَ الليلة الشريفة بالدُّفوف والشّبّابات والمِلاح والرَّقْص إلى السَّحَر، اللَّهُمّ لا تمكُرْ بنا وتَوَفنَّا عَلَى سُنَّةِ نبيَّك!

طور بواسطة نورين ميديا © 2015