176 - محمد ابن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور، الحافظ المفيد عز الدين أبو الفتح المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي.

176 - محمد ابن الحَافِظ عَبْد الغَنِيّ بْن عَبْد الواحد بْن عَليّ بن سرور، الحَافِظ المفيد عزّ الدين أَبُو الفتح المَقْدِسِيّ الْجَمّاعيليُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيّ. [المتوفى: 613 هـ]

وُلِدَ بدير المقادسة في سنة ست وستين وخمسمائة، في أحد الربيعين، وارتحل إلى بَغْدَاد وَلَهُ أربع عشرة سنة، فسمع بها من أَبِي الفتح بن شاتيل، وَأَبِي السعادات القَزَّاز، ويوسف العاقولي، وطبقتهم. وتفقه على أبي الفتح ابن المَنّي، وَسَمِعَ بدمشق من أَبِي المعالي بْن صابر، وَمُحَمَّد بْن حمزة القُرشي، والخَضِر بن طاوس، والفضل بن الحُسين البانياسي، وجماعة. وَأَوَّل شيخ -[384]- سَمِعَ منه أَبُو الفَهْم عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي العجائز الْأَزْدِيّ.

قَالَ ابن النَّجَّار: سمعنا معه وبقراءته كثيرًا، وكتب بخطّه كثيرًا، وحصَّل كثيرًا من الْأصول، واستنسخ كثيرًا من الكُتب، وَكَانَ في رحلتي الْأولى يُعِيرُني الْأصول ويفيدني عن الشيوخ، ويتفضل إذا زُرته. وَكَانَ من أئمة المُسلمين، حافظًا للحديث مَتْنًا وإسنادًا، عارفًا بمعانيه وغَريبه، مُتقنًا لأسامي المحدِّثين وتراجمهم، مَعَ ثقة وعدالة وأمانة وديانة وتودد وكَيْس ومروءة ظاهرة، ومساعدة للغُرباء.

وذكره الحَافِظ الضِّيَاء، فَقَالَ: كَانَ، رحمه الله، حافظًا فقيهًا ذا فنون، وَكَانَ أحسن النَّاس قراءةً وأسرعها، وَكَانَ غزير الدَمْعة عند القراءة، وَكَانَ مُتقِنًا ثقةً سَمْحًا جوادًا.

قُلْتُ: وارتحل إلى إصبهان ومعه أخوه أَبُو موسى، فسمعا الكثير من أصحاب أَبِي عَليّ الحداد، ومن بعده سَمعا من أَبِي الفضل عَبْد الرّحيم بن مُحَمَّد الكاغدي، ومسعود بن أبي منصور الجمال الخَيَّاط، وأبي المكارم أَحْمَد بْن مُحَمَّد اللَّبَّان، ومحمد بْن أبي زيد الكراني، وأبي جعفر الصَّيْدَلَانِي، وجماعةٍ.

قَالَ الضِّيَاء: وسافر العزّ إلى بَغْدَاد مَعَ عمِّه الإِمَام عماد الدّين إِبْرَاهِيم، وأقامَ ببَغْدَاد عشر سنين، واشتغل بالفقه والنحْو والخِلاف، ورجَعَ وَكَانَ يتكلَّم في مسائل الخِلاف كلامًا حسنًا، ثُمَّ سافر بعد مُدَّة إلى إصبهان في طلب الحديث، ولقوا شدَّة من الغَلاء والْجُوع. ثُمَّ رجع إلى بَغْدَاد وأقام بها يقرأ شيئًا من الفقه واللغة عَلَى الشَّيْخ أَبِي البقاء. ثُمَّ عاد إلى دمشق، وَكَانَ يقرأ الحديث للناس كلّ ليلة جُمُعة في مسجد دار البِطِّيخ بدمشق، يعني مسجد السلاليين، وانتفع النَّاس بمُجالسته. ثُمَّ أَنَّهُ انتقل إلى الجامع، إلى موضع والده فَكَانَ يقرأ يوم الجُمُعة بعد الصَّلَاة في حلقتنا؛ وسبب حصول ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جاء حَنْبَل من بَغْدَاد، أرادَ الملكُ المُعظَّم يسمع " المُسند " عَلَيْهِ، فقرأ لَهُ بعض المحدّثين، وَكَانَ " المُسنَد " يُقرأ عندنا وفي المدينة، وكان العز، رحمه اللَّه، يقرأ ويحضر عندنا جماعة من أهل المدينة، منهم العَلَم الرَّقِّيّ إمام الملك، فمضى إِلَيْهِ -[385]- وَقَالَ: إن كنتَ تريد قراءة مَليحة عاجِلة فما يقرأ أحد مثل هَذَا الَّذِي في الجَبَل. فَقَالَ: تجيء بِهِ. فجاء الإِمَام إلى العِزّ، فَقَالَ لَهُ: ما لي في هَذَا رغبة وَأَنَا رجل خامل الذّكر، وما بيني وبين أحد عداوة وأخاف من المخالفين. فَقَالَ: هَذَا لَا نخاف منه، ما يحضر إِلَّا الملك وَالشَّيْخ وَأَنْتَ وَأَنَا. فاستشار المشايخ، فَقَالَ لَهُ شيخنا مُوفّق الدين: إن كُنْت تمضي لله فامضِ، وإن كُنْت تمضي لطمع الدُّنْيَا فلا تفعل.

فاستخار اللَّه ومَضَى. فَلَمَّا سَمِعَ المَلِك قراءته أعجبته كثيرًا، وخلعَ عَلَيْهِ، وأحبّه، وسأله عن أشياء من الحديث فأجابه، وَرَأَى منه ما لم يرَ من غيره. وَكَانَ بعد ذَلِكَ مهما طلب منه لَا يكاد يردّه، فطلب منه الجلوس مكان أَبِيهِ فأذِن لَهُ، وطلب منه مكانًا في القُدس لأصحابنا يصلُّون فيه فأعطاه مهد عيسى.

وكنّا نسمع " المُسند "، فَقَالَ بعض الحضور من المدينة: ما رَأَيْت مثل هذه القراءة، مثل الماء، أَوْ قَالَ: مثل السيف. وَلَمَّا أراد الملك المُحسن سماع " تاريخ بَغْدَاد " من الكِندي، قال: إنْ كان العِزّ ابن الحافظ يقرؤه فنَعَم، فقرأه عَلَيْهِ. وَكَانَ لَهُ هِمة عظيمة؛ لَمَّا جاء حَنْبَل أراد أهل المدينة أن يمنعوه من الصّعود إلينا، فما زال العزّ بهمّته حَتَّى سَهّل اللَّه قراءة " المُسْنَد " في الجبل.

وَكَانَ يُسارع إلى الخيرات وإلى مصالح الجماعة؛ لَمَّا عزمت عَلَى التزويج قامَ في ذَلِكَ، وحَصَّلَ لي ما تزوّجت بِهِ، وما أحوجني إلى تكلّف شيء. وَكَانَ بيته لَا يكاد يخلو من الضُّيوف، سَمِعْتُهُ يَقُولُ، أَوْ سَمِعْتُ من يحدِّث عَنْهُ، قَالَ: كنّا ببَغْدَاد، فقلّ ما بأيدينا، فجاء إلى عندنا إِنْسَان فَقَالَ لي: لو مضيتم إلى بعض القرايا حصَّلنا لكم شيئًا. قَالَ: فمضينا معه، فاتفق أنّا عبرنا عَلَى الشَّيْخ حسن الفارسيّ، رحمة اللَّه عَلَيْهِ، فزرناه، فابتدأنا وَقَالَ: مَتَى جرت عادة المقادسة أن يخرجوا إلى الكدْية؟ قَالَ: فرجعنا ولم نمضِ.

سمعتُ إِبْرَاهِيم بن أَبِي بَكْر بن باخل المُؤذّن، وَكَانَ من أهل الخير والصلاح يَقُولُ: بعد موت العزّ بثلاثة أيام، توضّأت بالليل، وخرجت فرأيت عَلَى الموضع الَّذِي فيه قبر العزّ عمودَ نُور من السماء إلى الْأرض أخضر مثل السِّلق. -[386]-

وَسَمِعْتُ الفقيه إِسْحَاق بن خَضِر بن كامل يَقُولُ: رَأَيْت العزّ في النّوم، فَقُلْتُ لَهُ: باللَّه عليك ماذا لقيت من ربك؟ فَقَالَ: كل خير جميل.

وسمعتُ أَحْمَد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمَد يَقُولُ: كنّا نقرأ عند العزّ ليلة تُوُفِّي، فرأيت نورًا عَلَى بطنه مثل السِّراج، فكنتُ أقول: ترى يراه أحد غيري أم لَا.

سألتُ أمّ أَحْمَد آمنة بنت الشَّيْخ أَبِي عُمر، وَهِيَ ما علمتُ من أصلح أهل زمانها، فَقَالَت: رَأَيْت يوم موت العزّ عَلَى الدُّنْيَا كُلّها عَلَى الْأرض، وَعَلَى النَّاس خُضرة ما شبهته إِلَّا بالشمس؛ إِذَا خرجت من طاقة زجاج خضراء، حَتَّى كُنْت أقول: أيش هَذَا؟ ما لبصري! وأمسحُ عينيّ، وما دريت أيش هَذَا حَتَّى جاءت أمُّ دَاوُد، فَقَالَتْ: قد رَأَيْت الخُضرة عَلَى الجنازة.

سَمِعْتُ مسعود بن أَبِي بَكْر بن شُكر المقدسي، قال: رأيت العز ابن الحَافِظ بعد موته في النّوم، وكأن وجهه البدر، ما رَأَيْت في الدُّنْيَا أحدًا عَلَى صورته، وَلَهُ شَعر بائن من تحت عمامته، لم أرَ شَعراً مثل سواده، فَقُلْتُ لَهُ: يا عزّ الدين، كيف أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا وَأَنْتَ من أهل الجنة. ثُمَّ انتبهت.

سَمِعْتُ الْإِمَام أَبَا العَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن خَلَف يَقُولُ: رَأَيْت العزّ في النوم فَقَالَ: جَاءَ إليَّ النبيُّ صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ، فقضى لي كلَّ حاجة.

سَمِعْتُ شيخ الإِسْلَام موفَّق الدين يحدّث عن بنته صفية زَوْجَة العز أنها رأته بعد موته قد جاء إليهم بقطف من عِنَب أبيض لم تر أحسن منه قطّ، وَقَالَ: هَذَا من الجنة.

سمعتُ إسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الإصبهاني يَقُولُ: رَأَيْت العزّ في النوم وَعَلَيْهِ ثياب بيض وَهُوَ حيٌّ، وَهُوَ يَقُولُ: ما متُّ قد بقي من عُمري وسألني عن نفسه هَذَا، فَقَلَتْ: إن شاء اللَّه يكون شهيدًا. فَإِنَّهُ مات بالبَطن.

سَمِعْتُ الفقيه بَدْران بن شِبل بن طَرخان، قَالَ: رَأَيْت كأننا جماعة، والعزّ أرفع منّا فَقُلْتُ لَهُ: بم ارتفعت؟ قَالَ: بهذا؛ وأومأ بجزء حديث في يده.

قُلْتُ: وذكر لَهُ الضِّيَاء منامات أُخر مليحة. وقد رثاه الشيخ الموفّق، -[387]- وغيره. وَحَدَّثَ عَنْهُ الضِّيَاء، والشِّهاب القوصيّ، وشمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، والفخر عليّ، وجماعة.

أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، قال: أنبأنا محمد بن عبد الغني الحافظ، قال: أخبرنا ابن صابر، قال: أخبرنا علي بن إبراهيم النسيب، قال: أخبرنا سُليم بن أيوب، قال: حدثنا أبو أحمد الفَرَضي، قال: حدثنا الصُّوليّ، قال: حدّثنا الغَلاّبي، عن عُبيد الله بن عَائِشَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَامِلٍ لَهُ: اتقِ اللَّهَ، فَإِنَّ التَّقْوَى هِيَ الَّتِي لَا يُقبل غَيْرُهَا، وَلا يُرحَم إِلَّا أَهْلُهَا، وَلا يُثاب إِلَّا عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، وَالْعَامِلِينَ بِهَا قَلِيلٌ.

وَقَالَ لنا رشيد بن كامل: أَخْبَرَنَا أَبُو العرب القُوصي، قال: أخبرنا العز ابن الحافظ بجامع خَيْبر سنة عشر وستمائة. فذكر حديثًا.

تُوُفِّي العزّ في تاسع عشر شوال، وشَيَّعه الخَلْق.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015