298 - دُبَيْس بن صَدَقة بْن منصور بْن دُبَيْس بْن عليّ بن مَزْيَد، الأمير نور الدَّولة أبو الأغرِّ، ملك العرب ابن الأمير سيف الدَّولة أبي الحسن، صاحب الحلَّة الأسديُّ النَّاشريُّ. [المتوفى: 529 هـ]
كان فاضلاً أديباً جواداً ممدَّحاً نبيلاً، قلَّ مَنْ أنجب مثله من أمراء العرب، وقد ترامت به الأسفار إلى أكناف الأمصار، ودخل خراسان، وجال في أطرافها في ظل السُّلطان سَنْجَر، واستولى على كثير من بلاد العراق، وعظُم شأنه، وجرت بينه وبين المسترشد بالله أمور أفضت إلى الحروب، وقُتِلَ بينهما جماعة كبيرة ثم هرب من الحلَّة واتَّصل بصاحب ماردين نجم الدِّين بن أرتق، وصاهره، وصار إلى الشام، والشام إذ ذاك مستضعفة مع الفرنج، فجاء إلى حلب ثم ردَّ إلى العراق، وجرت له هناة فانهزم إلى خراسان فأكرمه سنجر وعظَّمه، ثم كتب المسترشد بالله إلى سنجر فاعتقله بمرو الرُّوذ، ثم أطلقه فلحق بالسُّلطان مسعود بن محمد، فقتله غدراً وهو في خدمته بمراغة في ذي الحجَّة، -[487]- فأراح البلاد والعباد منه، فلقد بيَّت الناس بليال صعبة ونهب المسلمين، وفعل العظائم، كما تراه في الحوادث.
وقد كتب الأمير بدران بن صدقة إلى إخوته:
ألا قُل لمنصور وقل لمسيب ... وقل لدُبَيْس إنني لغريب
هنيئاً لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيب
فأجابه دُبَيْس:
ألا قل لبدران الذي حنَّ نازعاً ... إلى أرضه والحرُّ ليس يخيبُ
تمتَّع بأيام السُّرور فإنَّما ... عذار الأماني بالهموم يشيب
ولله في تلك الحوادث حكمة ... وللأرض من كأس الكرام نصيب
وقد انهزم من العراق إلى الشَّام وكاد أن يهلك في خواص من غلمانه، وكان قصده مُري بن ربيعة أمير عرب الشَّام، فهلك في البرِّيَّة خلق من أتباعه بالعطش، وحصل في حلَّة مكتوم بن حسَّان فبادر إلى تاج الملوك فأخبره، فبعث خيلاً نحوه، فأحضروه إلى قلعة دمشق في شعبان سنة خمس وعشرين فاعتقله على غاية من الإكرام، وكاتب المسترشد بذلك فجاء الجواب بأن يحتفظ به حتى يجيء من عندنا مَنْ يستلَّمَهُ.
وعرَف الأتابك زنكي صاحب الموصل وحلب بذلك، فبعث بطلبه ليطلق سونج ولد تاج الملوك من أَسْره ومَنْ معه من الأمراء، فتقرر الشَّرْط، وبعث أولئك وتسلَّم أصحابه دُبَيْسًا بناحية قارا في ذي القعدة، وقد مرَّ بعض ذلك في الحوادث. وكان دُبَيْس شيعيًّا كجدِّه دُبَيْس بن علي، ولجدِّه وقد أحسن، وإن كان شيعيًّا:
حبُّ عليِّ بن أبي طالب ... للنَّاس مقياس ومعيار
يُخرج ما في أصلهم مثل ما ... تخرِجُ غِشَّ الذَّهب النار
ومات جدُّهم دُبَيْس أبو الأغرِّ في شوَّال سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وله ثمانون سنة. -[488]-
وقال ابن خلِّكان: كان دُبَيْس في خدمة السُّلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه وهم بظاهر مراغة، ومعهم المسترشد بالله، فيُقال: إنَّ السُّلطان دسَّ عليه جماعة من الباطنية فهجموا عليه وقتلوه في ثامن وعشرين ذي القعدة، يعني المسترشد، ثم خاف مسعود، فأراد أن ينسب قتله إلى دُبَيْس، فتركه حتى جاء إلى الخدمة، فجهَّز له مَنْ ضربه بالسَّيف من ورائه طيَّر رأسه، وأظهر أنه إنما فعل ذلك أخذاً بثأر الخليفة منه، وذلك في آخر السنة، وكان دُبَيْس ينهَبُ القُرَى ويُغير على المسلمين فانتقم الله منه.