152 - محمد بن محمد بن محمد بن جهير، الوزير عميد الدولة أبو منصور ابن الوزير فخر الدولة.

152 - محمد بْن محمد بْن محمد بْن جَهير، الوزير عميد الدّولة أبو منصور ابن الوزير فخر الدّولة. [المتوفى: 493 هـ]

وَزَرَ في أيّام والده، وخدم ثلاثة خُلفاء، ولمّا احتضر القائم بأمر اللَّه أوصى بِهِ ولد ولده المقتدي باللَّه. وولي الوزارة للمقتدي سنة اثنتين وسبعين، فبقي فيها خمس سنين، ثم عزل بالوزير أَبِي شُجاع، ثمّ عاد إلى الوزارة عند عزْل أَبِي شجاع سنة أربعٍ وثمانين، فبقي في الوزارة تسعة أعوام.

وكان خبيراً، كافيا، مدبّرًا، شجاعًا، نبيلًا، رئيسًا، تياهًا مُعْجَبًا، فصيحًا، مفوّها، مترسلًا، يتقعّر في كلامه، وله هَيْبة وسكون، وكلماته -[747]- معدودة، وفضائله كثيرة، وللشعراء فيه مدائح جمة، وآخر أمره أنّ الخليفة حبسه في داره بعد أنّ صادره وزير السّلطان بركياروق، وأخذ منه خمسة وعشرين ألف دينار في رمضان، ثم أخرج من دار الخلافة ميتا في سادس عشر شوال، وحمل إلى بيته، وغسل ودفن بتربة له، فقيل: إنه أهلك في حمام أغلق عليه. وقيل: بل أهلك بأمراض وأوجاع مع شدة الخوف والفرق.

وكان قد اشتهر بالوفاء والعفة، وجودة الرأي، ووفور الهيبة، وكمال الرياسة، لم يكن يعاب بأشد من التكبر الزائد، فمن الذي كان يفرح بأن ينظر إِلَيْهِ نظرة أو يكلّمه كلمة. قال مرة لولد الشيخ أبي نصر ابن الصّبّاغ: " اشتغِلْ وتأدَّب، وإلّا كنت صبّاغًا، بغير أب "، فلمّا خرج من عنده هنَّأه من حضر بأن الوزير خاطبه بهذا.

ولمّا تغيّر المستظهر عَلَيْهِ بسعْي صاحب الدّيوان هبة اللَّه بْن المطَّلِب، وناظر الخزانة الحَسَن بْن عَبْد الواحد بْن الحصين، وصاحب ديوان الإنشاء ابن الموصلايا إلى المستظهر - وكانوا قد خافوا منه - فخرج المرسوم بحِفْظ باب العامة لأجله، فأمر زوجته بالخروج إلى الحِلّة، وهيّأ لنفسه صُنْدُوقًا يدخل فيه، ويكون من جملة صناديق زوجته، فلمّا قعد فيه أسرع الخروج منه وقال: لا يتحدّث النّاس عنّي بمثل هذا. وكان خواصّ الخليفة أيضًا قد ملّوه وسئموه، فأُخِذ وحُبِس.

قَالَ ابن الحُصَيْن المذكور: وجدتُ عميد الدّولة قد استحال في محبسه، واشتدّ إشفاقه، جعل يخاطبني ويقول: يا روحي ويا قُرّة عيني، وأنشدني في عرض حديثه:

إذا أراد الله خيرا بامرئ ... وكان ذا رأي وعقل وبصر

أغراه بالجهل وأعمى قلبه ... وسله من رأيه سل الشعر

حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... رد إليه عقله ليعتبر

ثمّ قَالَ: نازلت الحصون وشهدت الوقائع والحروب فاستهنت خطبها، وقد قنطت من النجاة، وما أعرفها إلا منك، وأريد المقام في مكان آمن فيه بسفارتك، فقد غرقت بالمصيبة، فوعدته بأنّني أستعطف الخليفة، وخرجت وجلست أكتب ما أُرَقّق بِهِ قلب الخليفة عَلَيْهِ، فدخل عليَّ أبو نصر ابن -[748]- الموصلايا، فجذب الورقة منّي، وقال: لَئن خرج، فما يبعد هلاكنا بتوصُّلِه، لأنّه يعلم أنّ القبض عَلَيْهِ كَانَ من جانبك، فترك ابن الحُصَيْن الكتابة. وقال ابن الحُصَيْن: آخر ما سُمع منه التَّشهُّدُ والرجوع إلى اللَّه.

وكان المستظهر باللَّه قد أقطع عميد الدّولة إقطاعًا بثلاثين ألف دينار، فعمَّره، فقال الّذين تكلّموا فيه للخليفة: إنّه قد أخرب نواحيك وعمَّر نواحيه، وأنه وأنه .. فقبض عَلَيْهِ.

وكان مولده في أوّل سنة خمسٍ وثلاثين، وقدِم بغدادَ مَعَ أَبِيهِ وله عشرون سنة، فسمع الحديث في الكهولة من أَبِي نصر الزينبي، وعاصم بْن الحَسَن، وأبي إِسْحَاق الشِّيرازيّ، وأبي القاسم ابن البسري.

سمع منه إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْديّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بْن عُمَر الْبُخَارِيّ المعروف بِكَاك، وقاضي القُضاة أبو القاسم عليّ بْن الحُسين الزَّيْنَبيّ وغيرهم. وقد شكى إِلَيْهِ الحرّاس تأخر أرزاقهم، فكتب على رقعتهم: من باع طيب يومه بقُوت يومه فسَبيله أنّ يُوَفَّى، وهؤلاء قوم ضُعفاء.

وقال قاضي القُضاة أبو الحَسَن عليّ ابن الدّامغانيّ: كنّا بحضرة عميد الدّولة، فسقط من السَّقْف حيَّة عظيمة، واضطّربت بين يديه، فبعدنا، واستحالت ألوانُنا سواه، فإنه جلس موضعه حتّى قتلها الفرّاشون.

ومن شِعر عميد الدولة:

إلى مَتَى أنت في حِلٍّ وتَرْحال ... تبغي العُلَى والمعالي مهرها غال

يا طالبَ المجدِ، دونَ المجدِ مَلْحَمةٌ ... في طيها خطر بالنفس والمال

ولليالي صروف قل ما انجذبت ... إلى مراد امرئ يسعى لآمال

طور بواسطة نورين ميديا © 2015