78 - عليّ بْن الحَسَن بْن الحُسين بن محمد، القاضي أبو الحسن المَوْصِليّ الأصل، الْمَصْرِيّ، الفقيه الشّافعيّ المعروف بالخِلْعيّ. [المتوفى: 492 هـ]
ولد بمصر في أول سنة خمسٍ وأربعمائة، وسمع أبا مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بْن عُمَر النحاس، وأبا العباس أحمد بْن مُحَمَّد بْن الحاجّ الإشبيليّ، وأبا الحَسَن الخصيب بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد القاضي، وأبا سعْد أحمد بْن مُحَمَّد -[723]- المالينيّ، وأبا العبّاس بْن منير بْن أحمد الخشّاب، وأبا مُحَمَّد إسماعيل بْن رجاء الأديب، والحَسَن بْن جعفر الكِلَليّ، وأبا عَبْد اللَّه بْن نظيف الفرّاء، وجماعة.
وكان مُسْنِد ديار مصر في وقته. رَوَى عَنْهُ الحَمِيدِيُّ، وَمَاتَ قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ، فَقَالَ في " تاريخه ": أخبرنا أبو الحسن، قال: أخبرنا ابن الحاج، قال: أخبرنا غندر، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو نواس، قال: حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا: " لَا يَمُوتَنَّ أحدكم حتى يحسن الظن بِاللَّهِ " .. الْحَدِيثَ.
روى عَنْهُ أبو عليّ بْن سكرة، وأبو الفضل بْن طاهر المَقْدِسيّ، وأبو الفتح سلطان بْن إِبْرَاهِيم الفقيه، وسليمان بْن مُحَمَّد بن أبي دَاوُد الفارسيّ، وعليّ بْن مُحَمَّد بْن سلامة الرَّوِحاني، وعبد الكريم بْن سوار التككي، وعبد الحق بن أحمد البانياسي الكاتب، ومُحَمَّد بْن حمزة العِرْقيّ اللُّغَويّ. وبقي إلى سنة سبع وخمسين، وطائفة سواهم. وآخر من حدَّثَ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن رفاعة السَّعْديّ خادمه.
وقال فيه ابن سُكَّرَة: فقيه لَهُ تصانيف، ولي القضاء وحكم يومًا واحدًا واستعفى، وانزوى بالقرافة، وكان مُسْنِد مصر بعد الحبّال.
وقال الفقيه أبو بكر ابن العربيّ: شيخ معتزل في القرافة، لَهُ عُلُوٌّ في الرّواية، وعنده فوائد. وقد حدَّثَ عَنْهُ أبو عَبْد اللَّه الحُمَيْديّ، وكنّى عَنْهُ بالقرافيّ.
وقال غيره: كَانَ يبيع الخِلَع لملوك مصر.
قَالَ ابن الأَنْماطيّ: سَمِعْتُ أبا صادق عَبْد الحقّ بْن هبة اللَّه القضاعيّ المحدث بمصر يقول: سَمِعْتُ العالم الزّاهد أبا الحَسَن عليّ بْن إبراهيم ابن بنت أَبِي سعْد يَقُولُ: كَانَ القاضي أبو الحسن الخلعي يحكم بين الجن، وأنهم أبطؤوا عَلَيْهِ قدر جُمعة، ثمّ أتوه وقالوا: كَانَ في بيتك شيء من هذا الأُتْرُجّ، -[724]- ونحن لا ندخل مكانًا يكون فيه.
قَالَ المحدث أبو الميمون عَبْد الوهّاب بْن وردان، فيما حكى عَنْ والده أَبِي الفضل، قَالَ: حدَّثني بعض المشايخ، عَنْ أَبِي الفضل الجوهريّ الواعظ قَالَ: كنت أتردّد إلى الخِلَعيّ، فقمت في ليلة مُقْمرة ظننت أنّ الفجر قد طلع، فلما جئت باب مسجده وجدت فَرَسًا حَسَنَة عَلَى بابه، فصعدت، فوجدت بين يديه شابًا لم أر أحسن منه، يقرأ القرآن، فجلست أسمع، إلى أن قرأ جزءًا، ثم قَالَ للشيخ: آجرك اللَّه. فقال لَهُ: نفعك اللَّه. ثمّ نزل، فنزلت خلفه من علو المسجد، فلمّا استوى عَلَى الفرس طارت بِهِ، فغشي عليَّ من الرُّعْب، والقاضي يصيح بي: اصْعَدْ يا أبا الفضل. فصعدت، فقال: هذا من مؤمني الجنّ الذين آمنوا بنصيبين، وإنّه يأتي في الأسبوع مرةً يقرأ جزءًا ويمضي.
قَالَ ابن الأَنْماطيّ: قبر الخِلَعيّ بالقرافة، يُعرف بقبر قاضي الجن والإنس، ويُعرف بإجابة الدّعاء عنده.
وسألت شجاعًا المُدْلجيّ وغيره من شيوخنا عَن الخِلَعيّ، نسبة إلى أيّ شيء؟ فما أخبرني أحد بشيء. وسألت السديد الرَّبَعِيّ، وكان عارفًا بأخبار المصريين وكان معدلاً، فقال: كان أبوه بزازا، وكانت أمراء المصريّين وأهل القصر يشترون الخِلَع من عنده، وكان يتصدق بثُلُث مَكْسَبه.
وذكر ابن رفاعة أَنَّهُ سمع من الحبّال، وأنّه أتى إلى الخِلَعيّ، فطرده مدّة. وكان بينهما شيء أظن من جهة الاعتقاد.
وقال أبو الحَسَن عليّ بْن أحمد العابد: سَمِعْتُ الشَّيْخ ابن بخيساه، قال: كنا ندخل عَلَى القاضي أَبِي الحَسَن الخِلَعيّ في مجلسه، فنجده في الشتاء والصَّيف وعليه قميص واحد ووجهه في غاية من الحسن لا يتغير من البرد ولا من الحر، فسألته عَنْ ذَلِكَ، وقلت: يا سيدنا، إنّا لنُكْثِر من الثّياب في هذه الأيّام، وما يُغْني ذَلِكَ عنّا من شدّة البرد، ونراك عَلَى حالةٍ واحدة في الشّتاء والصيف لا تزيد عَلَى قميص واحد، فبالله يا سيّدي أَخْبِرْني. فتغيرّ وجهه ودَمَعَتْ عيناه، ثمّ قَالَ: أتكتم عليَّ ما أقول؟ قلت: نعم. فقال: غشِيَتْني حمى يومًا، فنمت في تِلْكَ الليلة، فهتف بي هاتف، فناداني باسمي، فقلت: لبيك داعيَ اللَّه. فقال: لا. قل: لَبَّيْك رَبّيَ اللَّه، مَا تجد من الألم؟ فقلت: إلهي -[725]- وسيّدي، قد أَخَذَتْ منّي الحُمّى ما قد علمت. فقال: قد أمرتها أنّ تُقْلِع عنك. فقلت: إلهي والبرد أيضًا، فقال: قد أمرت البرد أيضًا أنّ يُقْلع عنك، فلا تجد ألم البرد ولا الحَرّ. قال: فوالله ما أحس بما أنتم فيه من الحر ولا من البرد.
وقال ابن الأكفانيّ: تُوُفّي بمصر في السادس والعشرين من ذي الحجّة.