272 - عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني.

272 - عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بُنْدَار، أبو يوسف القَزْوينيّ. [المتوفى: 488 هـ]

شيخ المعتزلة.

نزل بغداد، وسمع أبا عمر بن مَهْديّ الفارسيّ، وعبد الجبّار بن أحمد الهَمَذَانيّ القاضي المعتزليّ، ودرس عليه الكلام بالرَّيّ. وسمع بهَمَذَان أبا طاهر بن سَلَمَة، وبِحَرّان أبا القاسم عليّ بن محمد الزَّيْديّ، وبإصبهان أبا -[600]- نُعَيْم الحافظ. وسمع من أبيه، وعمّه إبراهيم. وسماعه قبل الأربع مائة.

روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو غالب ابن البنّاء، وهبة الله بن طاوس، ومحمود بن محمد الرَّحْبيّ، وإسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ، وأبو بكر قاضي المَرِسْتان، وأبو البركات الأنْماطيّ، وأحمد بن محمد أبو سعْد البغداديّ، وآخرون.

قال السّمعاني: كان أحد المعمّرين والفضلاء المقدَّمين، جمع " التّفسير الكبير " الّذي لم يُرَ في التّفاسير كتابٌ أكبر منه، ولا أجمع للفوائد، لولا أنّه مَزَجَه بكلام المعتزلة، وبثَّ فيه مُعْتَقَدَه، وما اتَّبع نهج السَّلَف فيما صَنَّفه من الوقوف على ما ورَدَ في الكتاب والسُّنّة والتّصديق بهما. وأقام بمصر سِنين، وحصَّل أحْمالًا من الكُتُب، وحملها إلى بغداد، وكان داعيةً إلى الاعتزال. سمعتُ أبا سعْد البغداديّ الحافظ يقول: كان يصرّح بالاعتزال.

وقال ابن عساكر: هو مُصنِّفٌ مشهور. سكن طَرَابُلُس مدّةً، ثمّ عاد إلى بغداد. سمعتُ الحسين بن محمد البلْخيّ يقول: إنّ أبا يوسف صنَّف " التّفسير " في ثلاث مائة مجلَّد ونيّف، وقال: من قرأه عليّ وهبْتُه النُّسْخة. فلم يقرأه عليه أحدٌ. وسمعتُ هبة الله بن طاوس يقول: دخلتُ على أبي يوسف ببغداد وقد زَمِنَ، فقال: من أين أنت؟ قلت: من دمشق. قال: بلد النَّصْب.

وقال ابن النّجّار: قرأتُ بخطّ أبي الوفاء بن عقيل الفقيه: قدم علينا القاضي أبو يوسف القَزْوينيّ من مصر، وكان يفتخر بالاعتزال. وكان فيه توسُّع في القدْح في العلماء الّذين يخالفونه وجُرأة. وكان إذا قصد باب نظام المُلْك يقول لهم: استأذِنوا لأبي يوسف القَزْوينيّ المعتزليّ. وكان طويل اللّسان بعلمٍ تارةٍ، وبسفهٍ يؤذِي به النّاسَ أخرى. ولم يكن محقّقًا إلّا في التّفسير، فإنّه لَهِجَ بالتّفاسير حتّى جمع كتابًا بلغ خمس مائة مجلّد، حشى فيه العجائب، حتّى رأيت منه مجلَّدةً في آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سليمان} فذكر فيه السَّحَرة والملوك الّذين نَفَقَ عليهم السِّحْرُ وأنواع السِّحر وتأثيراته.

وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك: ملكَ أبو يوسف القَزْوينيّ كُتُبًا لم -[601]- يملك أحدٌ مثلَها، فكان قومٌ يقولون ابتاعها من مصر بالخبز وقت شدة الغلاء. وحدَّثني أبو منصور عبد المحسن بن محمد أنّه ابتاعها بالأثمان الغالية. وكان يحضر بيع كُتُب السِّيرافيّ، وهو شاهدٌ معروف بمصر، وبيعت كُتُبُه في سنتين، وزادت على أربعين ألف مجلَّدة.

قال: وكان أبو يوسف يبتاع في كلّ أسبوع بمائة دينار، ويقول: قد بعتُ رَحْلي وجميعَ ما في بيتي. وكان الرُّؤساء هناك يواصلونه بالذَّهب.

وقيل: إنّه قدِم بغداد معه عشرة أحمال كُتُب، وأكثرها بالخطوط المنسوبة.

وعنه قال: ملكتُ ستّين تفسيرًا، منها " تفسير ابن جرير "، و" تفسير الجبائي "، و" تفسير ابنه أبي هاشم "، و" تفسير أبي مسلم بن بحر "، و" تفسير البلخي ".

قال محمد بن عبد الملك: وأهدى أبو يوسف لنظام المُلْك أربعة أشياء ما لأحدٍ مثلها: " غريب الحديث " لإبراهيم الحربيّ في عشر مجلّدات بخطّ أبي عمر بن حيّويه، و" شعر الكُمَيْت " في ثلاث عشرة مجلّدة بخطّ أبي منصور، و" عهد القاضي عبد الجبّار بن أحمد " بخطّ الصّاحب بن عبّاد وإنشائه، فسمعتُ أبا يوسف يقول: كان سبع مائة سطر، كلّ سطر في ورقة سَمَرْقَنْديّ، وله غلاف آبنُوس يطبق كالأُسْطُوانة الغليظة، وأهدى له مُصْحَفًا بخطٍّ منسوب واضح، وبين الأسطر القراءات بالحُمْرة، وتفسير غريبه بالخُضْرة، وإعرابه بالزُّرْقَة، وكتب بالذّهب علامات على الآيات التّي تصْلُح للانتزاعات في العهود، والمكاتبات، والتّعازي، والتّهاني، والوعيد. فأعطاه نظام المُلْك ثلاث مائة دينار. فسمعت مَن يسأل أبا يوسف عن نظام المُلْك فقال: أعطيته أكثر ممّا أعطاني، وإنّما رضيت منه بالإكرام، وعَذَرْته حين قال: ليس عندي حلال لا شُبْهة فيه سوى هذا القدر.

وسُئل عنه المؤتَمَن السّاجيّ فقال: قطعته رأسًا لِما كان يتظاهر به من خِلاف الطّريق.

وقال محمد بن عبد الملك في " تاريخه ": كان أبو يوسف فصيح العبارة، -[602]- حُلْو الإشارة، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار. وكان زَيْديَّ المذهب، وفسَّر بمصر القرآن في سبع مائة مجلّدٍ كبار.

قلت: وقد دخل عليه الإمام أبو حامد الغزاليّ، وجلس بين يديه، فسأله: من أين أنت؟ فقال: من المدرسة ببغداد.

وقال الغزاليّ: علمتُ أنّه ذو اطّلاعٍ ومعرفة، فلو قلت إنّني من طوس، لذكر ما يُحكى عن أهل طُوس من التّغفيل، من أنّهم توسَّلوا إلى المأمون بقبر أبيه، وكونه عندهم، وطلبوا منه أن يحوِّل الكعبة، وينقلها إلى عندهم، وأنّه جاء عن بعضهم أنّه سُئل عن نجمه، فقال: بالتّيس. فقيل له في ذلك، فقال: من سِنين كان بالْجَدْي، والآن فقد كَبُر.

قال ابن عساكر: وسمعتُ من يحكي أنّه كان بأَطْرابُلُس، فقال له ابن البرّاج: متكلِّم الرّافضة: ما تقول في الشّيخين؟ فقال: سِفْلتان ساقطان. قال: مَن تَعْني؟ قال: أنا وأنت.

وقال أبو عليّ بن سُكَّرَة الصَّدَفيّ: أبو يوسف القَزْوينيّ كان معتزليًّا داعيةً، كان يقول: لم يبقَ مَن ينصُرُ هذا المذهبَ غيري. وكان قد بلغ من السّنّ مبلغًا يكاد أن يُخفى في الموضع الّذي كان يجلس فيه، وله لسانٌ شابٌّ. ذكر لي أنّ له تفسيرًا في القرآن في نحو ثلاث مائة مجلَّد، سبعة منها في سورة الفاتحة. وكان عنده جزءٌ ضخمٌ، من حديث محمد بن عبد الله الأنصاريّ، رواية أبي حاتم الرّازيّ، عنه، كنتُ أودّ أن يكون عند غيره بما يشقّ عليّ. قرأت عليه بعضه، رواه عن القاضي عبد الجبّار المعتزليّ، عن رجل عنه. وكان سبب مَشْيي إليه أنّ شيخنا ابن سوار المقرئ سألني أنْ أمضي مع ابْنَيه لأُسْمِعَهُمَا عليه، فأَجَبْتُه، وقرأ لهما شيئًا من حديث المحاملي، وأخبرنا أنه سمع ذلك سنة تسعٍ وتسعين وثلاث مائة، وهو ابن أربع سِنين أو نحوها. قال لي: كنتُ في سنّ هذا - يعني وَلَد شيخنا ابن سِوَار - وكنتُ أعقل من أبيه. وكان لا يُسالم أحدًا من السَّلَف؛ وكان يقول لنا: أُخرجوا تدخل الملائكة يريد المحدِّثين. قال: ولم أكتب عنه حرفاً. يعنى ابن سُكَّرَة أنّه لا يحدِّث عنه؛ وقد روى عنه شِعْرًا، وذكره في " مشيخته ". -[603]-

قال شجاع الذُّهْليّ: أبو يوسف القَزْوينيّ أحد شيوخ المعتزلة، عاش ستًّا وتسعين سنة. ذكر لي أنّ مولده في سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مائة.

وقل ابن ناصر: مات في رابع عشر ذي القعدة، وقال مرَّةً: وُلِدتُ في نصف شعبان.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015