264 - رِزْقُ الله بن عبد الوهّاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد، الإمام أبو محمد بن أبي الفَرَج التّميميّ البغداديّ، [المتوفى: 488 هـ]
رئيس الحنابلة ببغداد.
وُلِد سنة أربع مائة، وقيل: سنة إحدى وأربع مائة.
قال السّمعانيّ: هو فقيه الحنابلة وإمامهم. قرأ القرآن، والحديث، والفقه، والأصول، والتّفسير، والفرائض، واللُّغة،، والعربيّة، وعُمّر حتى صار يقصد من كل جانب. وكان مجلسه جم الفوائد. وكان يجلس في حلقة أبيه بجامع المنصور للوعظ والفتوى. وكان فصيح اللسان. قرأ القرآن على أبي الحَسَن الحمامي، وسمع منه ومن أبيه، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن المتيَّم، وأبي عمر بن مَهْديّ، وأبي الحسين بن بشران، وابن الفضل القطّان، والحرفي، وابن شاذان، وجماعة. روى لنا عنه خلْق كثير، ووَرَد إصبهان رسولًا في سنة ثلاثٍ وثمانين. وحدثنا عنه من أهلها أكثر من ستّين نفسًا. ثمّ قال: أخبرنا الْمَشَايِخُ، فَذَكَرَ سِتِّينَ بِإصبهان، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ غَيْرِهَا. ثُمّ -[596]- قال: وجماعة سواهم، قالوا: أخبرنا رِزْقُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، فَذَكَرَ حَدِيثَ " مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا ". وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَد رِزْقُ اللَّهِ بعلوه.
أخبرنا أبو المعالي الهمذاني، قال: أخبرنا أبو بكر بن سابور، قال: أخبرنا عبد العزيز الشّيرازي، قال: أخبرنا رزق الله إملاءً، فذكر مجلسًا أوّله هذا الحديث.
قال السّمعانيّ: سمعت أحمد بن سعْد العِجْليّ بهَمَذَان يقول: كان شيخنا أبو محمد التّميميّ إذا روى هذا الحديث قال: أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون /؟!
وقال السّلفي فيما أخبرنا الدّمياطي، قال: أخبرنا ابن رواج، قال: أخبرنا أبو طاهر بن سِلَفَة قال: رزق الله شيخ الحنابلة، قدِم إصبهان رسولًا من قِبَل الخليفة إلى السّلطان، وأنا إذ ذاك صغير. وشاهدته يوم دخوله. كان يومًا مشهودًا كالعيد، بل أبْلَغ في المَزِيد. وأُنْزِل بباب القصر، محلَّتنا، في دار السّلطان. وحضرت في الجامع الجورجيري مجلسه متفرّجاً، ثمّ لمّا قصدت للسّماع، قال لي أبو الحسن أحمد بن مَعْمَر اللُنْبانيّ، وكان من الأثبات: قد استجزْتُه لك في جملة من كتبتُ اسمه مِن صبياننا. فكتب خطّه بالإجازة.
وقال أبو غالب هبةُ الله قصيدةً أوّلها:
بمَقْدِم الشّيخ رِزْقِ الله قد رُزِقَتْ ... أهلُ إصبهان أسانيدًا عَجيباتِ
ثمّ قال السِّلَفيّ: وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ.
قال ابن النّجار: قرأ بالرّويات على الحمّاميّ. وقرأ عليه جماعةٌ من القرّاء. وتفقّه على أبيه، وعمّه أبي الفضل. وله مصنَّفاتٌ حَسَنَة. وكان واعظًا، مليح العبارة، لطيف الإشارة، فصيحًا، ظريف المعاني. له القبول التّامّ والحُرْمة الكاملة، ترسَّل إلى ملوك الأطراف.
وقال أَبُو زكريّا يحيى بْن عَبْد الوهاب بْن مَنْدَهْ: سمعتُ أبا محمد رزق الله الحنبليّ بإصبهان يقول: أدركتُ من أصحاب ابن مجاهد واحدًا يُقال له أبو القاسم عُبَيْد الله بْن محمد الخفّاف، وقرأت عَليْهِ سورة البقرة، وقرأها عَلَى أَبِي بَكْر بن مجاهد. -[597]-
وأدركتُ أيضًا أبا القاسم عمر بن تعويذ من أصحاب الشِّبْليّ، وسمعته يقول: رأيت أبا بكر الشِّبْليّ في درب سليمان بن عليّ في رمضان، وقد اجتاز على البقّال، وهو يُنادي على البَقَل: يا صائم من كلّ الألوان. فلم يزل يكّرر هذا القول ويبكي، ثمّ أنشأ يقول:
خليليَّ إنْ دام هَمُّ النُّفوس ... على ما أراه سريعًا قَتَلْ
فَيَا سَاقيَ القَومِ لا تَنْسَني ... ويَا رَبَّةَ الخِدْر غنِّي رَمَلْ
لقد كان شيءٌ يُسمَّى السُّرُورُ ... قديمًا سمعنا به ما فَعَلْ
وقال السّمعاني: أنشدنا هبة الله بن طاوس، قال: أنْشدنا رزق الله التّميميّ لنفسِهِ:
وما شَنَّأَنَّ الشَّيْبَ من أجل لَوْنِهِ ... ولكنّه حادٍ إلى البَيْنِ مُسْرِعُ
إذا ما بدت منه الطَّليعة آذَنَتْ ... بأنّ المَنَايا خَلْفَها تتطلَّعُ
فإنْ قصَّها المقراض صاحت بأختها ... فتظهر تتلوها ثلاثٌ وأربع
وإنْ خُضِبَتْ حالَ الخِضَاب لأنّه ... يُغَالبُ صُنْعَ اللهِ واللهُ أصنعُ
إذا ما بَلَغَت الأربعينَ فقُلْ لِمَنْ ... يَوَدُّك فيما تشتهيه ويُسْرعُ
هَلُمُّوا لِنَبْكي قبل فُرْقة بَيْننا ... فما بَعْدَها عيشٌ لذيذٌ ومَجْمَعُ
وخَلِّ التَّصَابي والخلاعَةَ والهَوَى ... وأُمَّ طريقَ الخير فالخيرُ أنْفعُ
وخُذْ جنة تُنْجي وزادًا من التُّقى ... وصُحْبَة مأمومٍ فقصدُك مفزعُ
قال أبو عليّ بن سُكَّرَة: رِزقُ الله التّميميّ، قرأت عليه برواية قالون خِتْمةً، وكان كبيرَ بغداد وجليلَها، وكان يقول: كلّ الطّوائف تدّعيني. وسمعته يقول: يَقْبُحُ بكم أن تستفيدوا منّا ثمّ تذكرونا، فلا تترحّموا علينا؛ فرحمه الله.
قلتُ: وآخر من روى عنه سماعًا أبو الفتح ابن البطّي، وإجازةً أبو طّاهر السِّلَفيّ.
قال ابن ناصر: تُوُفّي شيخنا أبو محمد التّميميّ في نصف جُمَادى الأولى سنة ثمانٍ. ودُفِن في داره بباب المراتب. ثمّ دفن في سنة إحدى وتسعين إلى جنْب قبر الإمام أَحْمَد.
قال أبو الكَرَم الشَّهْرُزُوريّ: سمعته يقول: دخلت سَمَرْقَنْد، فرأيتهم -[598]- يرْوون " النّاسخ والمنسوخ " لجدّي هبة الله، عن خمسةٍ، إليه، فرويته عن جدّي لهم.