101 - محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد القحطاني المعافري الأندلسي، الملك المنصور الحاجب أبو عامر.

101 - مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي عامر مُحَمَّد بْن الوليد القحطانيُّ المَعَافِرِي الْأندلسي، الملك المنصور الحاجب أَبُو عامر. [المتوفى: 393 هـ]

مدبر دولة الخليفة المؤَيَّد باللَّه هشام ابْن المستنصر الْأُمويِّ صاحب الْأندلس، فإن المؤَيَّد باللَّه بُويع بعد أَبِيهِ، وله تسعُ سنين، وكان الحاجب أَبُو عامر هُوَ الكلّ، فعمد أوّل تغلُّبه عَلَى الْأمر إلى خزائن المستنصر باللَّه الحكم ابن النّاصر، الجامعة للكُتُب، فابرز ما فيها من صنوف التواليف بمَحْضر من خواصّة العلماء، وأمر بإفراد ما فيها من كتب الْأوائل، حاشى كُتُب الطّبّ والحساب، وأمر بإحراقها، فأُحرِقت، وطُمِرَ بعضُها، وكانت كثيرة جدًّا، ففعل ذَلِكَ تحبُّبًا إلى العوامّ، وتقبيحًا لرأي المستنصر عندهم.

وكان أبو عامر حازماً مدبراً، شجاعاً بطلا غزا ما لم يغزه أحد من الملوك، وافتتح فتوحًا كثيرة، وبقي فِي المملكة نَيِّفاً وعشرين سنة.

وكان عالمًا فاضلا، كثير المآثر والمحاسن، قد طلب العلوم فِي صباه، فإن أباه أبا حفص كان من العلماء الزهاد، قد سمع من محمد بن عمر بن لبابة، وأحمد بن خالد. تمكن أبو عامر من الأمور ودانت لهيبته -[732]- أقطار الْأندلس، وأمنت بِهِ لفَرطْ سياسته. وقد استوزر جماعة، وكَانَ المؤيَّد باللَّه معه صورة بلا مَعْنَى، فإنّه استولى عَلَى التدبير والحجوبية، ولم يبق أحد من الدولة يقدر عَلَى رؤية المؤَيَّد، بل كَانَ أَبُو عامر يدخل عَلَيْهِ القصر ويخرج فيقول: أَمَرَ أميرُ المؤمنين بكذا، ونهى عَنْ كذا، فلا يخالفه أحد، وكان يمنع المؤَيَّد من الاجتماع بأحد، وإذا كَانَ بعد سنين أركبه وجعل عَلَيْهِ بُرْنُسًا، وألبس جواريه مثله، فلا يعرف المؤَيَّد فِي سائر الجواري، ويخرجه ليتنزّه فِي الزَّهْراء، ثم يعود إلى القصر عَلَى هذه الحالة، وليس لَهُ إلا السكة والخطبة.

وكان أَبُو عامر لَهُ فِي الجمعة مجلس حافل، تجتمع فِيهِ العلماء للمناظرة.

وغزا فِي أيّامه نيّفًا وخمسين غزوة، وملا بلاد المسلمين غنائم وسبياً، حتى قيل: لقد أبيعت بِنْت عظيم من عظماء الروم ذات حُسْن وجمال بقُرْطُبَة بعشرين دينارًا عامِرِيَّة، وكان إذا فرغ من قتال العدوّ، نَفَضَ ما عَلَيْهِ من غُبَار، ثم يجمعه وَيَتَحَفَّظُ به، فلما احتضر، أمر بما اجتمع من ذَلِكَ أن يُذَرَّ على كَفَنِه.

وَتُوفِّي - رحمه اللَّه - وهو بأقصى الثغور، عند موضعٍ يعرف بمدينة سالم، مبطونًا شهيدًا فِي هذه السنة. وللشعراء فِيهِ مدائح كثيرة، وكان يُجِيزُهم بالذَّهَب الكثير. وقام بالأمر بعده ولده أَبُو مروان عَبْد الملك بْن أَبِي عامر، ولقبوه بالمظَّفر، فدامت أيّامه فِي الْأمن والخصْب، ولكنْ لم تَطُلْ مدَّتُه، ومات، فثارت الفِتَن بالأندلس.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015