380 - عمرو بن الليث الصفار،

380 - عَمْرو بن اللَّيْث الصَّفَّار، [الوفاة: 281 - 290 ه]

أخو يعقوب بن اللَّيْث السِّجِسْتَاني، المَلِكَيْن.

كَانَ هُوَ وأخوه صفّارَيْن بسجستان يصنعان النُّحاس. وَقِيلَ: كَانَ عَمْرو مكاري حُمَيْر.

قَالَ عُبَيْد الله بن طاهر: عجائب الدُّنْيَا ثلاث؛ جيش العَبَّاس بن عَمْرو الغنوي يؤسَر العَبَّاس ويسلَم وحده ويُقتل جميع جيشه وكانوا عشرة آلاف، يعني قتلتهم القرامطة. وجيش عَمْرو بن اللَّيْث الصَّفَّار، يؤسَر عَمْرو وحده ويموت في سجن الخليفة، ويسْلَم جميع جيشه وكانوا خمسين ألفًا. وأنا أترك في بيتي بطالا، ويولى ابني أَبُو العَبَّاس.

قُلْتُ: ولي عَمْرو بن اللَّيْث مملكة فارس متغلبًا عليها بعد موت أخيه بالقُولنج سنة خمسٍ وستين، وقد جرت لهما أمور يطول شرحها، وتقلبت بهما الأحوال إلى أن بلغَا درجةَ السَّلْطنة بعد الصَّنْعة في الصُّفْر.

وَكَانَ عَمْرو جميل السيرة في جيوشه، ذكر السلامي أَنَّهُ كَانَ ينفق في الجند في كل ثلاثة أشهر مرة، فيحضر بنفسه، ويقعد عارض الجيش والأموال بين يديه، والْجُنْد بأسرهم حاضرون، فأول ما ينادي إنسان باسم عَمْرو بن اللَّيْث، فيقدم فرسه إلى العارض بجميع آلتها فيتفقدها، ثُمَّ يأمر بوزن ثلاثمائة درهم، فتُحمل إلى الملك عَمْرو في صُرّة، فيقبضها وَيَقُولُ: الحمد لله الذي وفقني لطاعة أمير المؤمنين حَتَّى استوجبت منه العطاء. ثُمَّ يضعها في خفه، فتكون لمن يقلعه الخف. ثم يدعى بعده بالأمراء على مراتبهم بخيولهم وعددهم وآلتهم فتُعرض، فمن أخل بشيء من لوازم الْجُنْد حُرم رزْقه.

وَقِيلَ: كَانَ في خدمة زوجة عمرو ألف وسبعمائة جارية.

وقد دخل في طاعة الخلفاء، فولي للمعتضد إمرة خُرَاسَان، وامتدت أيامه واتسع سلطانه، وقد سُقنا من أخباره في الحوادث.

وحاصل الأمر أَنَّهُ بغى عَلَى إسْمَاعِيل بن أَحْمَد بن أسد مُتولي ما وراء النَّهْر وأراد أخذ بلاده، فبعث إليه إسْمَاعِيل يَقُولُ: أنا في ثغر وقد قنعت به، -[788]- وأنت معك الدُّنْيَا فاتركني. فلم يدعه، وعزم عَلَى حربه، فعبر إسْمَاعِيل نهر جيحون إِلَيْهِ بغتة في الشتاء، فخارت قوى عَمْرو وأخذ في الهرب في الوحل والبرد، فأحاط بِهِ أصحاب إسْمَاعِيل وأسروه.

قَالَ ابن عَرَفَة نِفْطَوَيْه النَّحْوِيّ في " تاريخه ": حَدَّثَنِي محمد بن أَحْمَد بن خيار الكاتب - وَكَانَ شَخَصَ مَعَ عَبْد الله بن الفتح حين وجه به إلى إسْمَاعِيل بن أَحْمَد - قَالَ: كَانَ السبب في انهزام عَمْرو بن اللَّيْث وهربه وهرب أصحابه عند عبور إسماعيل إلى بلخ ومقام عمرو بها أن أهلها سئموا مقامه ونزول أصحابه في منازلهم، وإفسادهم أولادهم، ومد أيديهم إلى أموالهم. فوافى إسْمَاعِيل فأقام عَلَى باب بَلْخ مدّة، ثُمَّ خرج أمير من أمراء إسْمَاعِيل في أربعين رجلًا إلى موضع فيه ثلج عَلَى فرسخِ من بَلْخ ليحمل لإسماعيل الثلج، فصادف رجالًا من أصحاب عمرو في الموضع، فأوقع بهم وقتل، فانهزموا مجروحين إلى البلد، فأنذروا أصحاب عَمْرو، وعرّفوهم أن إسْمَاعِيل قد قدم، فأخذوا في الهزيمة، فركبت عساكر إسْمَاعِيل أقفيتهم، وخرج عَمْرو من البلد هاربًا عندما رأى من هرب جيشه من غير حرب جرت، وتقطر بعمرو شهري تحته في محور ووحول عَلَى نحو فرسخين، وصادفه غِلمان إسْمَاعِيل الأتراك وهو قاعد في الموضع والشهري واقف، فأتوا به مضرب إسْمَاعِيل صاحبهم، فقام إليه إسْمَاعِيل وضمّه إلى نفسه وقبّل عينيه وأجلسه إلى جانبه، وَقَالَ: عز علي والله يا أخي ما نالك، وما كنت أحبّ أن يجري هذا. وأمر بنزع خفه وثيابه التي استوحل فيها، ودعا له بطَسْتٍ وماء وردٍ فغسّل وجهه ورِجليه، وألبسه خلعة، ودعا له بسكنجبين، وفي خلال ذلك يمسح إسْمَاعِيل وجه عَمْرو بمنديل معه، فامتنع من السكنْجَبيْن، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر وزير إسْمَاعِيل: اشرب واطمئن. وأخذ إسماعيل القدح فشرب وناوله، ثُمَّ دعا بالطعام وأكلا، وَقَالَ: أيما أحب إليك؛ المقام، أو البعثة بك إلى أخي أبي يعقوب إسحاق متولي سمرقند؟ قال: احلف لي أنك لا تغدر بي، ولا تغتالني، ولا تسلّمني. فحلف لَهُ وتوثّق، ثُمَّ بعث بِهِ إلى أخيه، ووافى عبد الله بن الفتح من المُعْتَضِد بالخلع والمال إلى إسْمَاعِيل، -[789]- وبكتاب المُعْتَضِد يأمره فيه بتسليم عَمْرو إِلَيْهِ، فامتنع وَقَالَ: هَذَا رجل أهل خُرَاسَان وَالرَّيِّ وجميع البلدان التي يجتاز بها؛ يميلون إِلَيْهِ، وهم كالعبيد لَهُ، ومتى سلّمته إليك وشخصت بِهِ لم آمن أن تخرج إليكم العساكر من عند طاهر بن محمد بن عمرو، فيسلمونه منكم، ويوقعون بكم. ولولا أَنَّ الله أظفرني بِهِ بلا حرب لطال عَليّ أن أظفر بِهِ، ومن كنت أنا عنده مَعَ قوة سلطانه؟ والله يا أبا محمد لقد كتب إليَّ من غير تكنية يَقُولُ: يا ابن أَحْمَد، والله لو أردت أن أعمل جسرًا عَلَى نهر بَلْخ من دنانير لا من خشبٍ لفعلت وصرت إليك حَتَّى أقبض عليك. فكتبت إِلَيْهِ: الله بيني وبينك، وأنا رجل ثغري مُصافٌّ للتُرْك، لباسي الكردواني والغليظ، لا مال لي، ورجالي إنما هُوَ جيش بغير رزق، وقد بغيت عَليّ، والله بيني وبينك.

فلم يزل عبد الله يناظره ويسأله تسليم عمرو إليه، فقال: إن أحببت أن يُحمل رأسه إلى سيدي أمير المؤمنين، وطال الخطاب إلى أن أذعن بحمله معه، فوافى رجال إِسْحَاق بعمرو بن اللَّيْث، وسُلّم إلى عبد الله مُقيدًا وَعَلَيْهِ دُرّاعة خزّ مبطَّنَة بثعلب، ووكّل بِهِ تكين التركي، وأمر أن يعادله على الجمازة في قُبة، ومعه سكين طويلة، وَقَالَ: متى خرج إليكم أحد يحاربكم فاذبحه في الحال. وبعث معه نحو خمسمائة نفس، فكان عَمْرو يدعو الله عَلَى إسْمَاعِيل وَيَقُولُ: غدر بي، خذَلَه الله. ولم يزل صائمًا إلى أن وافي كتاب الوزير عُبَيْد بن سُلَيْمَان إلى عبد الله بن الفتح يأمره بترفيهه وبسط أمله وإكرامه، فأكل ثلاثة أيام، وعاود الصوم. وجرت لَهُ أمور حَتَّى أَنَّهُ اشترى له فانيذ بثلاثة دراهم، فعرفت أبا حامد أحمد بن سهل وكيله بذلك ليشتري لَهُ، فبكى وجعل يتعجب من الدُّنْيَا وَقَالَ: يا أبا الحَسَن، عهدي بِهِ إِذَا سار إلى بلده يحمل فرشه ومطبخه على ستمائة جمل، وَهُوَ اليوم يطلب بدرهم فانيذًا، ورأيت سراويل عمرو وقد نزلنا سمنان عَلَى حائط الخان، وقد غسّله غلامه، والريح تلعب بِهِ، وَالنَّاس يتعجبون من ذَلِكَ. وَكَانَ إذا سار معنا يُخرج رأسه من العمارية وَيَقُولُ لمن يمرّ بِهِ بالفارسية: يا سادتي، أدعو الله لي بالفرج. فَكَانَ النَّاس وأصحاب عبد الله بن الفتح يدعون لَهُ، وَكَانَ يتصدّق بسائر ما يرتب له من المنزل. وأما تكين عديله، فإنه أكل حملًا تامًا، فمات فجاءة واستراح عَمْرو منه، وأُركب معه شخص ظريف كَانَ معنا، فَكَانَ عَمْرو يدعو عَلَى إسْمَاعِيل ويقول: خذله -[790]- الله، انتقم الله منه كما أسلمني. فَقَالَ لَهُ جَعْفَر عديله: سألتك بالله، لو كنت ظفرت بإسماعيل، أكنت تُقعده في مثل هذه القبة وهذه الفرش؟ لا والله، ما كنت تحمله إلا على قتب وتوريه، فكم تلعنه؟ فلطم وجه نفسه ونتف لحيته وصاح: يا ويله ويا عوله؛ بالفارسية. ووجّه إلى عبد الله: اكفني مؤنة هَذَا العيَّار الطَّنبوري وإلا خنقت نفسي. فجاء عبد الله وأصلح بينهما، فَقَالَ عديله: فكم يُبرمني ويلعن صاحبي؟ ومن يصبر عَلَى هَذَا من أحمق قيمته قيمة مكار، والله ما يحسن أن يقرأ الفاتحة ولا كيف يصلي. وَلَهُ أخبار طويلة في مسيرنا به.

وأخبرني عبد الله بن الفتح أَنَّهُ أمر بتقييده فجزع، وجعل يعدد حُسن آثاره وطاعته، ولعمْري، لقد هلك أخوه يعقوب بعد هزيمته بثلاث سنين، فغلب عَلَى الأهواز وما وراءها مظهرا للخلاف، فلما هلك تنحى عمرو عن الأهواز، وحمل الأموال إلى السّلطان. وَأَخْبَرَنِي عبد الله أَنَّهُ قَالَ لَهُ حين قيّده: كَانَ لي أمس وراء هذا السور ستون ألف مقاتل، ومن الخيل والبغال والأموال كذا وكذا، فما نفعني الله من ذلك بشيء.

وتوجّه إسْمَاعِيل فافتتح خُرَاسَان وطبرستان، وقتل محمد بن زيد العلوي وأسَر ابنه، فأنفذ إِلَيْهِ لواء على خُرَاسَان، وأُدخل عَمْرو مدينة السلام، وشُهر عَلَى فالج، يُقَالُ إِنَّهُ أهداه، فرأيته باسطًا يديه يدعو، فرق لَهُ النَّاس. ثُمَّ حبس في موضعٍ لا يراه فيه أحد حَتَّى مات.

وقال غيره: أدخل بغداد على جمل بسنامين، وعليه جبة ديباج وبُرْنس السَّخط، وَعَلَى الجمل الديباج والزينة، فَقِيلَ في ذَلِكَ:

وحسبُكَ بالصَّفَّار نُبْلا وعزَّةً ... يروح ويغدو في الجيوش أميرا

حباهم بأجمال ولم يدر أنه ... على جمل منها يقاد أسيرا

فَلَمَّا أُدخل عَلَى المُعْتَضِد قَالَ: هَذَا ببغيك يا عَمْرو.

ولم يزل في حبْسه نحوًا من سنتين، وهلك يوم وفاة المُعْتَضِد، فيقال: إن الْقَاسِم بن عُبَيْد الله الوزير خاف وبادر بقتله خوفًا من المُكْتَفِي بالله أن يُطلقه، فَإِنَّهُ كان محسنًا إلى المكتفي.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015