244 - خُمَارَوَيْه بن أَحْمَد بن طُولُون الملك أَبُو الجيش [الوفاة: 281 - 290 ه]
صاحب مصر والشام بعد والده.
ولد سنة خمسين ومائتين وولي الأمر سنة سبعين.
كان جوادًا ممدحًا، شجاعًا مبذرًا لبيوت الأموال. ذكر أَبُو الفتح بن مسرور البَلْخِيّ، عن علي بن محمد المادرائي، عن عمّ أَبِيهِ أبي عَليّ الحُسَيْن بن أَحْمَد الكاتب قَالَ: كَانَ أَبُو الجيش خُمَارَوَيْه يتنزه بمرج دمشق بعذْرا، فغنّى له المغني صوتًا أبدل منه كلمة وَهُوَ: -[748]-
قد قُلْتُ لَمَّا هاج قلبي الذكرى ... وأعرضت وسط السماء الشِّعْرى
ما أطيب الليل بسُر مرَّأى.
فَقَالَ: ما أطيب الليل بمرج عذرا.
فأمر لَهُ أَبُو الجيش بمائة ألف دينار.
فَقُلْتُ: أيها الأمير، تعطي مغنيًا في بَدَلِ كلمة مائة ألف دينار، وتضايق المُعْتَضِد.
فَقَالَ لي: فكيف أعمل وقد أمرت، ولست أرجع؟
فقلت: تجعلها مائة ألف درهم.
فقال لي: فأطلقها له معجلة، وما بقي نبسطها في سنين حَتَّى تصل إِلَيْهِ.
قَالَ ابن مسرور: وَحَدَّثَنِي أَبُو محمد، عن أَبِيهِ قَالَ: كنت مَعَ أبي الجيش عَلَى نهر ثورا، فانحدر من الجبل أعرابي فأخذ بلجامه، فصاح بِهِ الغلمان فَقَالَ: دعوه.
قَالَ: أيها الملك اسمع لي. قَالَ: قُل. فَقَالَ:
إنَّ السِّنان وحدَّ السيف لو نطقا ... لحَدّثا عنك بين النَّاس بالعَجَبِ
أفنيت مالَك تُعطيه وتُنْهبُهُ ... يا آفة الفضّة البيضاءِ والذّهبِ.
فأعطاه خمس مائة دينار.
فَقَالَ: أيها الملك زدني.
فَقَالَ للغلمان: اطرحوا سيوفكم ومنَاطقكم.
فَقَالَ: أيها الملك، أثْقَلتني.
قال: أعطوه بغلًا.
ونقل غيره واحد أَنَّ محمد بن أبي الساج قصد خُمَارَوَيْه في جيشٍ عظيمٍ من بلاد أرمينية والجبال، وسار إلى جهة مصر، فالتقاه خُمَارَوَيْه فَهَزَمه خمارويه، وكانت ملحمة مشهودة.
ثُمَّ ساق خُمَارَوَيْه حَتَّى بلغ الفُرات ودخل أصحابه الرُّوم، وعاد وقد ملك من الفرات إلى النُّوبة. وَلَمَّا استُخلف المُعْتَضِد بادر خُمَارَوَيْه وبعث إِلَيْهِ بالهدايا والتحف، وسأله أن يُزَوِّج بنته قطْر النَّدي بولده المُكْتَفِي بالله.
فَقَالَ المُعْتَضِد: بل أنا أتزوجها.
فتزوج بها في سنة إحدى وثمانين، ودخل بها في آخر العام.
وأصدقها ألف ألف درهم. فيقال: إنَّ المُعْتَضِد أراد بزواجها أن يُفقر أباها. وكذا وقع، فَإِنَّهُ جهزها بجهاز عظيم يتجاوز الوصف. حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ أدخل معها ألف هاونٍ من الذَّهَب، والله أعلم بصحة ذَلِكَ.
والتزم للمعتضد أن يحمل إِلَيْهِ في السنة مائتي ألف دينار، بعد القيام بمصالح بلاده.
قَالَ ابن عساكر: قرأت بخطّ أَبِي الحُسَيْن الرَّازِيّ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بن -[749]- محمد بن صالح الدِّمَشْقِيّ قَالَ: كَانَ أَبُو الجيش كثير اللواط بالخدم مفتريًا عَلَى الله. بلغ من أمره أَنَّهُ دخل الحمام، فأراد من واحد الفاحشة، فتمنع فأمر أن يدخل في دُبُره يد كرنيب. ففعل بِهِ، فصاح واضطرب في الحمام إلى أن مات. فأبغضه الخَدَم، واستفتوا العُلَمَاء في حد اللوطي، فقالوا: حدّه الْقَتْلُ.
فتواطئوا عَلَى قتله، فقتلوه في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين في قصره بدير مران ظاهر دمشق. وهربوا، فظفر بهم طغج بن جف الأمير، فأدخلهم دمشق مشهورين، ثُمَّ ضرب أعناقهم.
وَقِيلَ: إِنَّهُ نُقل إلى مصر، فدُفن عند أَبِيهِ.
وَرَوَى عبد الوهاب بن الحَسَن بن الحَسَن الكلابي، عن أَبِيهِ أَنَّهُ ذهب إلى حمص، قَالَ: عرفني مؤذن الجامع، فأضافني في المأذنة في لَيْلَةٍ مُقمرة، فَلَمَّا كَانَ وقت السَّحر قام يؤذن فأشْرَفت من المأذنة، فإذا بكلب قد جاء إلى كلب، فقام إليه فقَالَ: من أين جئت؟ قَالَ: من دمشق، الساعة قُتل أَبُو الجيش بن طُولُون، قتله بعض غلمانه.
فَقُلْتُ: للمؤذن: ألا تسمع؟ قَالَ: نعم.
وأصبحنا، فورّخت ذَلِكَ، وسرت إلى دمشق، فوجدته صحيحًا.