106 - إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب، أبو إسحاق التميمي الأغلبي [الوفاة: 281 - 290 ه]
أمير القيروان وابن أُمرائها.
ولي الأمر سنة إحدى وستين ومائتين، وكان عادلا سائسا حازماً صارماً، كانت التجار تسير من مصر إلى سبتة لا تُعَارض ولا تُرّوع. ابتنى الحصون والمحارس على سواحل البحر، بحيث كانت توقد النيران في لَيْلَةٍ واحدة من سبتة إلى الإسكندرية؛ حَتَّى يُقَالُ: كان بأرض المغرب من بنائه وبناء آبائه ثلاثون ألف حصن، وهذا شيء لم يسمع بمثله لملك. وقد مصر سوسة وعمل لهم سُورًا؛ وأقام في المُلك بضعًا وعشرين سنة.
وقد دُونت سيرته وأيامه وعدله وبذله وجوده، وكان متصدياً للعدل وإنصاف الرعية، معتنيًا بذلك. فَقِيلَ: إنَّ امرأة تاجر اتصل خبرُ جمالها بوزيره، فأرسل الوزير إليها فأبت، فكلف بها، وبثّ أمره إلى عجوزٍ تغشاه، كانت حظّية عند الأمير إِبْرَاهِيم وعند أمه يتبرّكون بها، ويطلبون منها الدُّعاء؛ فَقَالَتْ: أنا أقضي الشُّغل. وقصدت المرأة فدقَّت بابها، ففتحت لها الجارية -[699]- وكانت العجوز مشهورة في البلد، فتلقتها المرأة وقبّلت يدها، وقدّمت لها شيئًا. فَقَالَتْ: أنا على نيّة، ويكون وقتًا آخر. وإنما أصابت إزاري نجاسة فأريد غسلها. فأحضرت الطست والصابون، وغسّلت طرفه بنفسها. وقامت العجوز تصلّى حَتَّى نشف ولبسته وذهبت. ثُمَّ تردّدت إليها وتأكدت المعرفة، فَقَالَتْ لها: عندي يتيمة أريد عُرْسَها الليلة، فإن خف عليك تعيريها حليك؟ قَالَتْ: يا حبّذا، وأعطتها حُقّ الحلي، فانصرفت، وجاءت بعد أيام فَقَالَتْ: يا أمي وأين الحلي؟ قَالَتْ: عبرت إلى فلان وَهُوَ معي، فَلَمَّا علم أَنَّهُ لك أخذه مني وحلف أن لا يسلمّه إِلا إليك. قَالَتْ: لا تفعلي. قَالَتْ: هَذَا الذي تم. ومضت، فاشتد على المرأة البلاء، وبقيت تتقلى، فَلَمَّا دخل زوجها رأى الضُّرّ في وجهها، فسألها فأعلمته القصة، فاشتد بلاؤه، ثُمَّ أنهى أمره إلى الأمير إِبْرَاهِيم، وقصّ عليه القصة، فتغيّر لِذَلِكَ وَقَالَ: أكتُم هَذَا، وائتني بعد يومين، ثُمَّ دخل إلى أمه، وطلب منها العجوز، فحضرت، فاحترمها ووانسها، ووضع رأسه في حجرها، وأخذ يتمسّح بها، وأخذ خاتمها وجعل يقلّبه ويشاغلها. ودعا خادمًا وكلّمه بالصَّقْلبية: امضي إلى دار العجوز. وقل لبنتها: أمك تَقُولُ لك هاتي حُقّ الحلي، فقد طلبت أم الأمير أن تعمل لها مثله. وَهَذَا خاتمها. فمضى الخادم، وجاء لوقته بالحُقّ. فنظر الأمير فيه فوجده كما وصف الرجل، وتغيّرت العجوز واعترفت، فطلب الفؤوس والمجارف وحفر في الحال حُفرة، فألقيت العجوز فيها. وصاحت أمّه، فَقَالَ: لئن لم تسكتي لألحقنك بها، تدخلين إلى قصري قواده!؟ وجاءه الرجل للموعد، فأعطاه الحق وزاده من حلي أهله، وَقَالَ: ما منعني من معاجلة الوزير إِلا خوف شُهرة أهلك. وأنا أفكر في هلاكه بوجه. ثُمَّ قتله بعد قليل.
وعن بعضهم قَالَ: قدمت سجلماسة لألحق الرفقة إلى مصر، وكان معي ثلاثة ألاف دينار، فخرجت من القيروان مسرعاً حتى دخلت إلى قابس. فَلَمَّا سرت عنها فرسخًا لقيني سبعةُ فوراس، فأنزلوني، وأخذوا الخرج، وقتلوا الغلام، وأضجعوني للذبح، فتضرعت إليهم وَقُلْتُ: غريب ولا أعرفكم فأطلبكم. وقد أخذتم الذهب، وخلفي أطفال، فأطلقوني لله. وبكيت. -[700]-
فأطلقوني، فرجعت إلى قابس، فما عرفت بها أحداً، فذهبت إلى القَيْرُوَان راجلًا عُريانًا، فأتيت صديقًا لي، فأصلح شأني وَقَالَ: أعْلِم الأمير. فقصدناه وَهُوَ جالس للناس، فقصصت عليه شأني، فتنمر، وأمرني بالجلوس. ثُمَّ رأيته يأمر وينهى، فَلَمَّا قام أمر بعض الخدم فأدخلني القصر، وبعث إليَّ طعامًا، ثُمَّ نمت، ثُمَّ طلبني قبل العصر إلى رَوْشَنة، ودعا أمير الجيش فَقَالَ: هل وجّهت إلى طرابلس بخيل؟ قَالَ: نعم، سبعة فوارس وقد عادوا. قَالَ: فطلبهم، وَقَالَ: من تعرف من هؤلاء فعرفني به؟ فقلت: هذا منهم، إلى أن جمع السبعة. فأخذهم بالرّغبة والرّهبة فأنكروا، ففُرِّقوا في بيوت، وجيء بالسياط وضُربوا مفرَّقين ثُمَّ دار بنفسه عليهم، وبقي يَقُولُ للواحد: قد اعترف صاحبك بعد الهلاك، فلا تحوج نفسك إلى ما حل به، فأقروا وأحضروا الخرج والبغلة والثياب، لم تنقص سوى سبعة دنانير. فأتمها إِبْرَاهِيم من ماله، وأعطاني غلامًا، وخفرني بناسٍ إلى طرابلس، فَلَمَّا عبرنا على الموضع الذي أُخذت فيه وجدتُ السبعة فوارس على الخشب، والكلاب تأكل من أقدامهم.
وَقِيلَ: إنه جاءه قومٌ برجلٍ، في يده سكين، وثيابه ملطخة بالدماء، فَقَالَ: ما لهذا؟ قَالُوا: أبونا خرج لصلاة الصُّبح، فوُجد في الطريق مذبوحًا، وَهَذَا قائمٌ عنده هكذا. فَقَالَ: أقتلت؟ قَالَ: نعم. قَالَ: اذهبوا به فاقتلوه. وَقَالَ: إن اخترتم أن أؤدي عنه الديةَ، وأوليكم شيئًا فعلت. قالوا: ما نريد إلا القصاص. فراحوا به، فَلَمَّا هموا بقتله برز رجل من الحلق وَقَالَ: والله ما هَذَا قتله، وأنا قتلته. فرجعوا به، فأقر عند الأمير، فقال لذاك: وما الذي ألجأك إلى الإقرار؟ قَالَ: أصلح الله الأمير، عبرت فوجدت أبوهم يضطرب والسكين في نحره، فخطر لي أنني إن أزلت السكين من نحره ربما سلم. فأزلتها فمات والسكين في يدي، والدم على ثوبي، فرأيت الإقرار أولى من العذاب بالضّرب والمُثلة. فَقَالَ الأمير: وهذا أيضاً إن اخترتم أخذ الدية وأن أوّليكم فعلت. قَالُوا: ما نريد إِلا القود. ثُمَّ راحوا ليقتلوه، فبدرهم رجل من الحلقة، وَقَالَ: والله ما قتله الأول ولا الثاني، وما قتله إِلا أنا. فردوا إلى الأمير، وزاد التعجب، فقال: لذاك: أقتلت؟ قَالَ: لا والله. قَالَ: فما أحوجك إلى الإقرار؟ قَالَ: إني كنت في شبابي مسرفًا على نفسي، وقتلت جماعة ثُمَّ تُبْتُ ورجعت إلى الله. وكنت في غرفةٍ لي، فأخرجت رأسي فرأيت الشيخ قد أضجعه رجل -[701]- وذبحه وهرب، فجاء ذاك وأنا أنظر، فأزال السكين، فأمسكوه، وأنا أعلم براءته، فلما قدم للقتل سمحت نفسي بالقتل، عسى أن يُغفر لي ما مضى. فسأل الثالث فأقرّ، وأبدى أسبابًا عُرف بها أَنَّهُ قاتله. وَقَالَ: لَمَّا رأيت هَذَا وَهُوَ بريء قد فدى بنفسه ذاك الأول. قلت: أنا أولى من أدى حقا وجب عليه، فَقَالَ الأمير: إن اخترتم أخذتم الدية والولاية أَيْضًا. قَالُوا: لا نفعل. فَلَمَّا ذهبوا ليقتلوه ودارت الحلقة قالوا: اللهم إنا قد عفونا عنه لا لما بذله الأمير من الدية والولاية، ولكن لوجهك خالصًا.
وَقِيلَ: إنَّ الأمير إِبْرَاهِيم خرج يومًا إلى نُزهة، فقدّم إليه رجل قصة وَقَالَ: إجلالك أيها الأمير يمنعني أن أذكر حاجتي، وإذا في القصة: إنني عشقت جارية وتيّمني حبُّها، فقال مولاها: لا نبيعها بأقل من خمسين دينارًا، فنظرت في كل ما أملكه فَإِذَا هُوَ ثلاثون دينارًا، فإن رأى الأمير النظر في أمري. فأطلق له مائة دينار. فسمع به آخر، فتعرّض له الآخر وَقَالَ: أعزّ الله الأمير، إني عاشق. قَالَ: فما الذي تجد؟ قَالَ: حرارة ولهيبًا. قال: اغمسوه في الماء مرات حتى يبرد ما بقلبه. ففعلوا به ذَلِكَ فصاح، فَقَالَ: ما فعلت الحرارة؟ قَالَ: ذهبت والله وصار مكانها برد. فضحك وأمر له بثلاثين دينارًا.
وكان طبيبه إِسْحَاق بن عمران الإسرائيلي بارعًا في الطب، مشهوراً، وهو صاحب " أطريفل إسحاق ". وكان المعتمد أنفذ إِسْحَاق إليه من بغداد. وكان إبراهيم يجزل عطاياه. وكان إِسْحَاق يُعجب بنفسه ويُسيء أدبه على إِبْرَاهِيم وَيَقُولُ: بعد مجالسة الخلفاء صرت إلى ما أنا فيه، فلما أكثر عليه أمر بفصده في الأكحلين من ذراعيه إلى أن كاد يهلك. ثُمَّ رقّ له وَقَالَ: يمكنك إن ترد رمقك؟ قَالَ: نعم، تشد المواضع، وتعجل لي بشرائح مشوية أمتصها. ففعل وسَلِم. وتمادى على طباعه، فأمر بقتله، فَقَالَ: والله إنَّ مزاجك ليقضي بأن يصيبك من الخلط السوداوي ما يعجز عنه حذّاق الأطباء، ويُحتاج إليَّ، فقتله وصلبه، فبقي حتى عشش الحداء في جوفه، وهاج بإِبْرَاهِيم كما قَالَ خلط سوداوي، فقتل فيه جماعة من إخوته وأهله وبناته. ثُمَّ أفاق وأظهر التوبة، ورد المظالم، وفرّق الأموال والصدقات في سنة ثمانٍ وثمانين فظهر فيها أبو عبد الله الشيعي، فنفذ لحربه ابنه الأحول في اثنى عشر ألفًا، فالتقى هُوَ وأبو عبد الله، فهزمه أبو عبد الله، ثم جرت بينهما حروب. ثُمَّ هُزم أبو عبد الله ووصل الأحول -[702]- إلى تاهرت فحرّقها، وهدم قصر أبي عبد الله، وحرق مسيلة وساق وراءه. ثُمَّ ردّ إلى إفريقية لَمَّا بلغه توجُّه أبيه إبراهيم إلى الجهاد.
ونفّد إبراهيم إلى ابنه أمير صقلية يأمره بولاية ولده زيادة الله على صقلية، وأن يسير إليه، ففعل. فَلَمَّا قدم عليه ولاه إفريقية، وكتب له العهد، وأحضر قاضيه عيسى بن مسكين، وكان من الصالحين، فاستشاره، فأمره برد المظالم، فكشفت الدواوين من يوم ولايته، وكل من كانت له مظلمة رُدّت عليه. وعزم على الحجّ على طريق الإسكندرية، ونودي بذلك ثم خاف لما بينه وبين أحمد بن طولون أن تسفك الدماء فعول على التوجه على جزيرة صقلية ليجمع بين الحجّ والجهاد، وليفتح ما بقي بها من الحصون، وخرج إلى سوسة بجيشه في أول سنة تسعٍ وثمانين، فدخلها وعليه فَرْو مرقَّع في زي الزُّهاد، وأخرج المال، وأعطى الفارس عشرين ديناراً، والراجل عشرة دنانير. ووصلت الأسطول طرابلس، واجتمعت العساكر وفيهم ولده أبو الليث، وولد ولده أبو مُضر بن أبي العَبَّاس، وأخوه معد. وافتتح حصونا ثُمَّ نزل على طبرمين وافتتحها عنوةً. ثُمَّ لحقه زلق الأمعاء، وأخذه فواق، فمات رحمه الله في تاسع عشر ذي القعدة سنة تسع وثمانين، فرجع الجيش به إلى صقلية، فدُفن بها في قُبّة. وقام بالأمر بعده أبو العَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمَد المُتوفَّى سنة تسعين.