312 - م ت ن ق: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، الحافظ أبو زرعة القرشي المخزومي، مولاهم الرازي.

312 - م ت ن ق: عُبَيْد الله بْن عَبْد الكريم بْن يزيد بْن فَرُّوخ، الحافظ أبو زُرْعة الْقُرَشِيُّ المخزوميُّ، مولاهم الرَّازيُّ. [الوفاة: 261 - 270 ه]

أحد الأعلام. -[361]-

قَيِل: وُلِدَ سنة تسعين ومائة.

ويقال: إنّه وُلِدَ سنة مائتين وأظنّه وَهْمًا، فإنّ رحلته سنة إحدى عشرة، لأنّه سمع بالكوفة من: عَبْد الله بْن صالح العِجْليّ، والحسن بْن عطيّة بْن نجِيح، وتُوُفيّا عامئذٍ.

وسَمِعَ: أَبَا الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، وعبد الله بْن مَسْلَمَة القَعْنَبيّ، وقُرّة بْن حبيب، وأبا نُعَيْم، وخلّاد بْن يحيى، وقَبِيصَة، وعبد الْعَزِيز الأُوَيْسيّ، وقَالَون المقرئ، وعَمْرو بْن هاشم البيروتي، ومسلم بْن إِبْرَاهِيم، وإسحاق الفَرَويّ، ومحمد بْن سابق، وأبا عُمَر الحَوْضيّ، ويحيى بْن عَبْد الله بْن بُكَيْر، وخلْقًا كثيرًا بالرّيّ، والكوفة، والبصرة، والحرمَيْن، وبغداد، والشام، ومصر، والجزيرة.

وَفِي تهذيب الكمال أنّه روى عن أبي عاصم النّبيل، وَفِي هَذَا نظر.

وقَالَ ابنُ أبي حاتم: سُئِل أبو زُرْعة: فِي أيّ سنة كتبتم عن أبي نُعَيْم؟: قَالَ: فِي سنة أربع عشرة ومائتين، ورحلت من الرّيّ المرّة الثانية سنة سبعٍ وعشرين.

ولم يدخل خراسان، وكان من أفراد العالم ذكاءً وَحِفْظًا ودينًا وفضلًا.

رَوَى عَنْهُ من شيوخه: محمد بْن حُمَيْد، وأبو حَفْص الفلّاس، وحَرْمَلَة بْن يحيى، وإسحاق بْن مُوسَى الخطْميّ، ويونس بْن عَبْد الأعلى، والربيع بْن سُلَيْمَان، ومِن أقرانه: أبو حاتم ابنُ خالته، ومسلم بْن الحجاج، وأبو زرعة الدِّمشقيُّ، وإبراهيم الحربيّ.

ومن الحُفْاظ والمحدّثين خلْقٌ كثير.

وَرَوَى عَنْهُ: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه فِي كتُبُهم، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، وأبو عَوَانَة، وقاسم بْن زكريّا المطرّز، وسعيد بْن عَمْرو البَرْذَعيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم فأكثر، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيْسَابوريُّ، وأحمد بْن محمد بْن أبي حَمْزَةَ الذّهبيّ، ومحمد بن حمدون الأعمشي، والحسن بْن محمد الدّاركيّ، ومحمد بْن الْحُسَيْن القطان. -[362]-

قَالَ ابنُ أبي حاتم: كان جدّه فَرُّوخ مَوْلَى عيّاش بْن مطرِّف القُرَشيّ.

وقَالَ جَعْفَر بن محمد الكندي: حدثنا أبو زُرْعَة، قَالَ: قدِم علينا جماعة من أَهْل الرِّيّ دمشّق منهم: أبو يحيى فَرْخوَيْه. فلما انصرفوا إِلَى الرِّيّ، فيما أخبرني غير واحدٍ، منهم أبو حاتم، رأوْا هَذَا الفتي قد كاس فقالوا: نُكَنِّيك بكُنْية أبي زُرْعة الدّمشقيّ. ثُمَّ اجتمعت بأبي زُرْعة الرّازيّ فكان يذكرني بهذا ويقول: بكُنْيَتِك اكتَّنَيْت.

وقَالَ سَعِيد بْن عَمْرو: قَالَ أبو زُرْعة: لا أعلم أنّه صحّ لي رباط قطّ. أمّا قزوين فأردنا محمد بْن سَعِيد بْن سابق، وأمّا عسقلان فأردنا محمد بْن أبي السَّرِيّ، وأمّا بيروت فأردنا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد بْن مَزْيد.

وقَالَ النّجّاد: سمعت عَبْد الله بْن أَحْمَد يقول: لمّا ورد علينا أبو زُرْعة نزل عندنا، فقال لي أبي: يا بُنيّ، قد اعْتَضْتُ بنوافلي مذاكرة هَذَا الشَّيْخ.

وقَالَ صالح جَزَرَة: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعة يقول: كتبتُ عن إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الرّازيّ مائة ألف حديث، وعن أبي بَكْر بْن أبي شَيْبَة مائة ألف، فقلت له: بَلَغَني أنّك تحفظ مائة ألف حديث، تقدر أن تُملي عليّ ألف حديث من حفظك؟ قَالَ: لا، ولكن إذا أُلقي عليَّ عرفتُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ فقلت: يجوز ما كتبت عن إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى مائة ألف؟ قَالَ: مائة ألف كثير.

قلت: فخمسين ألفا؟ قال: نعم، وسبعين ألفا.

أخبرني من عدَّ كتاب الوضوء والصلاة فبلغ ثمانية عشر ألفًا.

وقَالَ أبو عبد الله بْن مَنْدَه الحافظ: سمعت محمد بْن جَعْفَر بن حكمويه بالرِّيّ يقول: سئل أبو زُرْعة عن رَجُل حَلَف بالطّلاق أنّ أَبَا زُرْعة يحفظ مائتي ألف حديث هَلْ حَنَث؟ فقال: لا.

ثُمَّ قَالَ: أحفظ مائتي ألف مثل " قُلْ هُوَ الله أحد "، وأحفظ في المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث.

قلت: هَذِهِ حكاية منقطعة لا تثبُت، وهذه أصح منها: قَالَ الحافظ -[363]- ابن عدي: سمعت أبي يقول: كنت بالرَّيّ، وأنا غلام فِي البزّازين، فحلفَ رَجُل بالطلاق أنّ أَبَا زُرْعة يحفظ مائة ألف حديث، فذهب قوم إِلَى أبي زُرْعة وذهبت معهم، فذكروا له حلْف الرجل، فقال: ما حَمَله على ذلك؟ قَيِل: قد جرى ذلك منه. فقال: يمسك امرأته فإنّها لم تَطْلُق، أو كما قَالَ.

وقَالَ الحاكم: سمعت أَبَا جَعْفَر محمد بْن أَحْمَد الرَّازيّ يقول: سمعت محمد بْن مُسْلِم بْن وارة يقول: كنت عند ابنُ راهويه فقال رجل: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف حديث وكّسْر، وهذا الفتى يعني أَبَا زرعة، يحفظ ستمائة ألف.

قلت: فِي إسنادها مجهول.

وقَالَ غُنْجار في تاريخه: حدثنا ناصر بن محمد الأزدي بكرمينية، قال: سمعت أَبَا يَعْلَى المَوْصِليّ يقول: رحلت إِلَى البصْرة، فبينا نَحْنُ فِي السّفينة إذا برجلٍ يسأل رجلًا: ما تقول فِي رَجُلٍ حَلَف بالطلاق أنك تحفظ مائتي ألف حديث؟ فأطرق رأسه ثُمَّ قَالَ: اذهب يا هَذَا وأنت بارُّ فِي يمينك. فقلت: من هَذَا؟ فَقِيلَ لي: أبو زُرْعة الرَّازيّ ينحدر إِلَى البصرة.

وقال ابنُ عُقْدة عن مُطَيَّن، عن أبي بَكْر بْن أبي شَيْبَة، قَالَ: ما رَأَيْت أحفظ من أبي زُرْعة.

وقَالَ عَبْد اللَّه بْن محمد بْن جَعْفَر القَزْوينيّ، وهو ضعيف: سمعتُ محمد بْن إِسْحَاق الصغاني يقول: كان أبو زُرْعة يشبَّه بأحمد بْن حنبل.

وقَالَ عليّ بْن الْحُسَيْن بْن الْجُنَيْد: ما رَأَيْت أعْلَمَ بحديثِ مالك من أبي زُرْعة، وكذلك سائر العلوم.

وقَالَ عُمَر بْن محمد بْن إِسْحَاق القطّان: سمعت عَبْد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسْرَ أفْقَه من إِسْحَاق، ولا أحفظ من أبي زُرْعة.

وقال أبو يَعْلَى المَوْصِليّ: ما سمعنا بذِكْر أحدٍ فِي الحِفْظ إلّا كان اسمه أكبر من رؤيته إلّا أبو زُرْعة، فإنّ مشاهدته كَانَتْ أعظم من اسمه. كان قد جمع حِفْظ الأبواب والشّيوخ والتّفسير. -[364]-

وقال صالح جزرة: سمعت أبا زرعة يقول: أحفظ فِي القراءات عشرة آلاف حديث.

وقَالَ إِسْحَاق بْن راهَوَيْه: كلّ حديث لا يعرفه أبو زُرْعة الرّازيّ ليس له أصل.

وقَالَ أبو الْعَبَّاس السّرّاج: لمّا انصرف قُتَيْبَةُ إِلَى الرِّيّ من بغداد سألوه أن يحدّثهم، فقال: أحدّثكم بعد أن أحضر مجلسي أَحْمَد بْن حنبل، ويحيى بْن مَعِين، وعليّ ابن المَدِينيّ.

قَالُوا: فإنّ عندنا غلامًا يسرد كلُّ ما حدَّثت به مجلسًا مجلسًا، قم يا أَبَا زُرْعة. فقام فسَردَ كل ما حدَّث به قتيبة فحدثهم قُتَيْبَةُ.

وقَالَ فَضْلك الصّائغ: دخلت المدينة فصرت إِلَى باب أبي مُصْعَب فخرج إليَّ شيخ مخضوب، وكنتُ أَنَا ناعسًا، فحرّكني وقَالَ: يا مردريك من أَيْنَ أنت، إيش تنام؟ فقلت: أصلحك الله من الري، من بعض شاكرديّ أبي زُرْعة.

فقال: تركتَ أَبَا زُرْعة وجئتني! لقيت مالكًا وغيرَه، فَمَا رأت عيناي مثلَه.

قَالَ فَضْلَك: فدخلت على الرَّبِيع بمصر فقال: إنّ أَبَا زُرْعة آية. وإنّ الله إذا جعل إنسانًا آية أبانه من شكْله حَتَّى لا يكون له ثانٍ.

وقَالَ ابنُ أبي حاتم: حدثنا أحمد بن إسماعيل ابن عم أبي زُرْعة أنّه سمع أَبَا زُرْعة يقول فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ: اللَّهُمَّ إنّي أشتاق إلى رؤيتك، فإن قال لي: بأيّ عمل اشتقت إليّ؟ قلت: برحمتك يا ربّ.

وقد كان أبو زُرْعة يحطّ على أهل الرأي بالري ويتكلم فيهم.

قال ابن أبي حاتم: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعة يَقُولُ: قَالَ لي السَّريّ بْن مُعاذ، يعني الأمير: لو أنّي قبلت لأعطيت مائة ألف درهم قبل اللّيل فيك وَفِي ابنُ مُسْلِم من غير أن أحبسكم ولا أضربكم، بل أمنعكم من التّحديث. -[365]-

سمعت أبا زرعة يقول: لو كانت لي صحّةُ بَدَنٍ على ما أريد كنت أتصدَّق بمالي كله، وأخرج إلى الثغر، وآكل من المباحات وألْزَمُها. ثُمَّ قَالَ: إنّي لَألْبَس الثّياب لكي إذا نظر النّاس إليّ لا يقولون قد ترك أبو زُرْعة الدُّنيا ولبس الثياب الدُّون، وإنّي لآكل ما يُقدَّم إليّ من الطّيّبات لكيلا يقولوا: إنّه لا يأكل الطّيّبات لزُهْده.

وقَالَ يُونُس بْن عَبْد الأعلى: ما رَأَيْت أكثر تواضعًا من أبي زُرْعة.

وقَالَ عَبْد الله القَزْوينيّ، وهو ضعيف: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو زُرْعة. فَقِيلَ ليونس: من هَذَا؟ قَالَ: إنّ أَبَا زُرْعة أشهر فِي الدُّنيا من الدُّنيا.

وقَالَ عَبْد الواحد بْن غَياث: ما رَأَى أبو زُرْعة مثَل نفسه.

وقَالَ سَعِيد بن عمرو البرذعي: سمعت محمد بْن يحيى الذُهْليّ يقول: لا يزال المسلمون بخير ما أبقى الله لهم مثل أبي زُرْعة يعلِّم النّاس.

وقَالَ أبو أحمد بن عدي: حدثنا أحمد بن محمد القطان قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: حَدَّثَنِي أبو زُرْعة عُبَيْد الله بْن عَبْد الكريم وما خلّف بعده مثله عِلْمًا وَفَهْمًا، ولا أعلم من المشرق إِلَى المغرب من كان يفهم هَذَا الشأن مثله.

وقَالَ ابنُ عدّي: سمعت القاسم بْن صَفْوان، سمع أَبَا حاتم يقول: أزهد من رَأَيْت أربعة، آدم بْن أبي إياس وثابت بْن محمد الزّاهد وأبو زرعة، وسمى آخر.

وروى الخطيب بإسناده، عن أبي زُرْعة قَالَ: ما سمعت أُذني شيئًا من العِلم إلّا وَعَاه قلبي، وإنّي كنت أمشي فِي السُّوق فأسمع صوت المُغَنّيات من الغُرَف، فَأَضَعُ إصبعي فِي أُذُنيَّ مخافة أن يَعِيَه قلبي.

وَرُوِيَ أنّ أَبَا زُرْعة كان من الأبدال.

وقَالَ الحاكم وأبو عليّ بْن فَضَالَةَ الحافظان: حدثنا أبو بَكْر محمد بْن عَبْد الله بْن شاذان الرازي قلت: ـ وليس بثقة ـ قَالَ سمعت أَبَا جَعْفَر -[366]- محمد بْن عليّ ورّاق أبي زُرْعة، فذكر حكاية تلقين أبي زرعة لا إلا إلّا الله، وإنّهم ذكروه بالحديث. فقال وهو في السياق حدثنا بندار، قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: " من كان آخر كلامه لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ". وتُوُفيّ رحمه الله.

وقَالَ أبو الْعَبَّاس السّراجّ: سمعت ابنُ وارة يقول: رَأَيْت أَبَا زُرْعة فِي النَّوْم، فقلت: ما حالك؟ قَالَ: أَحْمَد الله على الأحوال كلها. إنّي وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي: يا عُبَيْد الله لِمَ تذرعت في القول في عبادي؟ قلت: يارب إنهم حادلوا دينك.

قَالَ: صدقت.

ثُمَّ أتى بطاهر الخلقانيّ فاستعديت عليه إِلَى ربّي، فَضُرب الحَدّ مائة ثُمَّ أمر به إِلَى الحبْس، ثُمَّ قَالَ: أَلْحِقوا عُبَيْد الله بأصحابه، بأبي عَبْد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله: سُفْيَان الثَّوْريّ، ومالك، وأحمد بْن حنبل.

رواها عن ابنُ وَارة عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم بخلاف هَذَا فقال: سمعت أبي يقول: مات أبو زُرْعة مطعونًا مَبْطونًا يعرق الجبين منه فِي النَّزْع، فقلت لمحمد بْن مُسْلِم: ما تحفظ فِي تلقين الموتى: لا إله إلا الله؟ فقال: يُروى عن مُعَاذ.

فرفع أبو زُرْعة رأسه، وهو فِي النَّزْع، فقال: رَوَى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَ آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الْجَنَّةَ ".

فصار فِي البيت ضجّة ببكاء من حضر.

تُوُفيّ فِي آخر يومٍ من سنة أربعٍ وستين ومائتين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015