492 - محمد بن كرام بن عراق بن حزابة بن البراء. الشيخ أبو عبد الله السجستاني

492 - محمد بْن كرّام بْن عِرَاق بْن حُزَابَة بْن البَرَاء. الشيخ أبو عبد الله السِّجِسْتانيُّ [الوفاة: 251 - 260 ه]

الضال المجسم، شيخ الكراميين. -[189]-

حَدَّثَ عَنْ: إِبْرَاهِيم بْن يوسف البلْخيّ، وعبد اللَّه بْن مالك بْن سُلَيْمَان الهَرَويّ، وأحمد بْن عَبْد اللَّه الْجُوَيْباريّ، وجماعة.

وَعَنْهُ: محمد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق، وإِبْرَاهِيم بْن محمد بْن سُفْيَان، وعبد اللَّه القيراطيّ، وإِبْرَاهِيم بْن حَجّاج النسابوريون.

قَالَ الحاكم: وُلِد بقريَةٍ من قرى زرنج بسِجسْتان، ثمّ دخل خراسان وأكثر الَاختلَاف إلى أحمد بن حرب الزاهد. سمع " التفسير " من عَلِيّ بْن إِسْحَاق السَّمرْقَنْديّ، عَنْ محمد بن مروان، عن الكلبي. وسمع ببلخ، وهراة، ونيسابور.

قَالَ: وأكثر عَنْ أَحْمَد الْجُويْبَاريّ، ومحمد بْن تميم الفاريابيّ. ولو عرفهما لأمسكَ عَنِ الرّواية عَنْهُمَا. ولمّا ورد نَيْسابور بعد المجاورة بمكّة خمسَ سنين وانصرف إلى سجسْتان، وباع بها ما كان يملكه، وجاء إلى نيسابور، حبسه محمد بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر، وطالت مِحْنَتُه، فكان يغتسل كلّ يوم جمعة، ويتأهَّب للخروج إلى الجامع، ثمّ يَقُولُ للسّجان: أتأْذَنُ ليَ فِي الخروج؟ فيقول: لَا. فيقول: اللّهمّ إنيّ بذلت مجهودي، والمَنْعُ مِن غيري.

قَالَ: ولقد بلغني أَنَّهُ كَانَ معه جماعة مِنَ الفقراء، وكان لباسُه مَسْكُ ضَأن مدبوغ غير مخيط، وعلى رأسه قَلَنْسُوَة بيضاء. وقد نُصِب لَهُ دُكّان من لَبِن. وكان يُطَرح لَهُ قطعة فَرْو فيجلس عليها ويعِظ ويُذَكِّر ويحدِّث.

قَالَ: وقد أثْنى عَلَيْهِ، فيما بلغني، ابن خُزَيْمَة، واجتمع بِهِ غير مرّة. وكذلك أَبُو سعَيِد عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحُسَيْن الحاكم، وهما إماما الفريقين.

وحدثني محمد بن حمدون المذكر: قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن الحسين الصفار، قال: سَمِعْتُ ابن كَرّام الزّاهد يَقُولُ: خمسة أشياء من حياة القلب: الجوع، وقراءة القرآن، وقيام الليل، والتِّضَرُّع عند الصُّبْح، ومجالسة الصّالحين.

وقال عَبْد اللَّه بْن محمد بْن سَلْم المقدسيّ: سَمِعْتُ محمد بْن كَرّام يَقُولُ: قَدَرُ فَرْعَوْن أنْ يؤمِن ولكن لم يؤمن.

قلت: هذا كلَامٌ يقوله المعتزليّ والسُّنّيّ، وكلّ واحدٍ منهما يقصد بِهِ شيئًا.

وعن يحيى بْن مُعَاذ الرّازيّ قَالَ: الفقر بساط الزُّهّاد، وابن كَرّام عَلَى بساط الزاهدين. -[190]-

وقال محمد بْن الْحُسَيْن الصّفّار: سَمِعْتُ ابن كَرّام يَقُولُ: الخوف يمنع عَنِ الذنوب، والحُزْن يمنع عَنِ الطّعام، والرّجاء يقوّي عَلَى الطّاعة، وذِكْر الموت يُزْهِد فِي الفُضُول.

وقال أَبُو إسحاق أحمد بن محمد بن يونس الهروي: سَمِعْتُ عثمان الدّارِميّ يَقُولُ: حضرت مجلس أمير سجِسْتان إِبْرَاهِيم بْن الحُصَيْن يوم أُخرج محمد بْن كَرّام من سجِسْتان، وحضر عثمان بْن عفّان السِّجِسْتانيّ وأهل العلم، فدُعي محمد بْن كَرّام، فقال لَهُ الأمير: ما هذا العلم الذي جئت به؟ ممن تعلمته ومَن جالست؟ قَالَ: إلْحَامٌ أَلْحَمْنيه اللَّه تعالى، بالحاء. فقال لَهُ: هَلْ تُحْسِن التشهد؟ قَالَ: نعم، الطحيات للَّه؛ بالطّاء، حتى بلغ إلى قوله: السّلَام عليك أيُّها النَّبِيّ. فأشار إلى إِبْرَاهِيم بْن الحُصَين، فقال لَهُ: قطع اللَّه يدك. وأمرَ بِهِ فصُفِع وأُخْرج.

وقال ابن حِبّان: محمد بْن كَرّام كَانَ قد خُذِل حتّى التقط مِن المذاهب أردأها، ومِن الأحاديث أوهاها. ثمّ جالس الْجُويْبَاريّ، ومحمد بْن تميم السَّعْديّ، ولعلّهما قد وضعا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصّحابة والتابعين مائة ألف حديث. ثمّ جالس أحمد بن حرب، فأخذ عنه التقشف. ولم يكن يحسن العلم ولا الأدب. وأكثر كُتُبه المصنَّفة صنّفها لَهُ مأمون بْن أَحْمَد السُّلَميّ. وحدثني محمد بْن المنذر، سمعَ عثمان بْن سعَيِد الدّارِميّ يَقُولُ: كنتُ عند إِبْرَاهِيم بْن الحُصَين، إذ دخل علينا رجلٌ طُوالٌ عَلَيْهِ رقاع، فقيل: هذا ابن كَرّام. فقال لَهُ إِبْرَاهِيم: هَلِ اختلفت إلى أحدٍ من العلماء؟ قال: لا. قال: تأتي عثمان بْن عفّان السِّجِسْتانيّ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فهذا العلم الَّذِي تقوله، من أَيْنَ لك؟ قَالَ: هذا نورٌ جعله اللَّه فِي بطني. قَالَ: تُحْسِن التَّشَهُّد؟ قَالَ: نعم، التَّهيّاتُ لله والصَّلَوات والتَّيِّبات. السّلَام أَلَيْنا وأَلَى إبادِ اللَّه الصالحين، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أن مُهَمَّدًا أَبْدُكَ ورسُولُك. قَالَ: قُمْ، لَعَنَك الله. ونفاه من سجستان.

قال ابن حِبْان: هذا حاله فِي ابتداء أمره، ثمّ لمّا أخذ فِي العِلم أحبّ أنْ ينشئ مذاهب لتعرف به. فجعل الْإِيمَان قولَا بلَا معرفة قلب، فلزِمه أنّ المنافقين لَعَنَهُمُ اللَّه مؤمنون. -[191]-

قَالَ: وكان يزعم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يكن حُجّة اللَّه عَلَى خلقه؛ إنّ الحُجَّة لَا تَنْدرس ولا تموت. وكان يزعم أنّ الاستطاعة قبل الفِعْلِ. وكان يجسم الرب جل جلاله وعلا سلطانه، وكان داعيةً إلى البِدَع؛ يجب ترك حديثه فكيف إذا اجتمع إلى بِدْعته القَدْح فِي السنن والطعن في منتحليها.

قلت: نظيره فِي زُهده وضلَاله عَمْرو بْن عَبْيد. نسأل اللَّه السّلَامة. وأخبث مقالَاته أنّ الْإِيمَان قَوْل بلَا معرفة قلْب، كما حكاه عَنْهُ ابن حِبْان.

وقال أَبُو محمد بْن حزم: غُلَاة المُرْجئة طائفتان، قَالَتْ إحداهما: الْإِيمَان قول باللّسان وإن اعتقد الكُفْر بقلبه فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلِيٌّ لِلَّهِ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وهو قول محمد بْن كَرّام السِّجِسْتانيّ وأصحابه. وقالت الأخرى: الْإِيمَان عقد بالقلب وإنْ أعلنَ الكُفر بلسانه.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ: شَهِدْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيَّ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ محمد بْنِ كَرَّامٍ يَسْأَلُهُ عَنْ أَحَادِيثَ مِنْهَا: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، رَفَعَهُ: " الْإِيمَانُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ". فَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ كِتَابِهِ: مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا اسْتَوْجَبَ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَالْحَبْسَ الطَّوِيلَ.

قَالَ الْحَاكِمُ: وحدثني الثقة، قال: أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد، قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بن محمد الدهان: خرج أبو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَرَّامٍ الزَّاهِدُ مِنْ نَيْسَابُورَ فِي سنة إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَاتَ بِالشَّامِ فِي صَفَرٍ سنة خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. وَمَكَثَ فِي سِجْنِ نَيْسَابُورَ ثَمَانِ سِنِينَ.

قَالُوا: وَتُوُفِّيَ بِبَيْتِ المقدس من الليل. فحمل بالغداة، وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ إِلا خَاصَّتُهُ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الأَنْبِيَاءِ بِقُرْبِ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ وَأَصْحَابُهُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ نَحْوَ عِشْرِينَ أَلْفًا.

قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ كُرْدُوسٌ: سَمِعْتُ محمد بْنَ أَسْلَمَ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: لَمْ يَعْرُجْ إِلَى السَّمَاءِ كَلِمَةٌ أَعْظَمُ وَأَخْبَثُ مِنْ ثلاثٍ: قَوْلُ فِرْعَوْنَ: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى. وَقَوْلُ بِشْرٍ المُرِّيسِيِّ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وَقَوْلُ محمد بْنِ كَرَّامٍ: الْمَعْرِفَةُ لَيْسَتْ مِنَ الإِيمَانِ.

قَالَ الْحَسَنُ بن إبراهيم الجوزقاني الهمذاني فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " لَهُ: كَانَ ابْنُ كَرَّامٍ يَتَعَبَّدُ وَيَتَقَشَّفُ، وَأَكْثَرُ ظُهُورِ أَصْحَابِهِ بِنَيْسَابُورَ وَأَعْمَالِهَا، وبيت -[192]- الْمَقْدِسِ. مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَدْ عَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ، مَالَ إِلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ لاجْتِهَادِهِمْ وَظَلَفِ عَيْشِهِمْ. وَكَانَ يَقُولُ: الإِيمَانُ لا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ، وَهُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ مُجَرَّدٌ عَنْ عَقْدِ الْقَلْبِ، وَعَمَلِ الأَرْكَانِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ حَقًّا، وَإِنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ، وَالتَثْلِيثَ، وَأَتَى كُلَّ فَاحِشَةٍ وَكَبِيرَةٍ، إِلا أَنَّهُ مُقِرٌّ بِلِسَانِهِ، فَهُوَ مُوَحِّدٌ وَلِيٌّ لِلَّهِ من أهل الجنة لا تضره سيئة. فلزمهم مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مُؤْمِنُونَ حَقًّا.

قُلْتُ: كَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الجنة ".

قال الجورقاني: وطائفة منهم تسمى المهاجرية، يقولون: إن الله جِسْمٌ لا كَالأَجْسَامِ، وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ تَجُوزُ مِنْهُمُ الْكَبَائِرُ إِلا الْكَذِبَ فِي الْبَلاغِ. وَقَدْ نَفَاهُ صَاحِبُ سِجِسْتَانَ وَهَابَ قَتْلَهُ لَمَّا رَآهُ زَاهِدًا بِزِيِّ الْعُبَّادِ، فَقَدِمَ نَيْسَابُورَ، وَافْتُتِنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، فَنَفَاهُ مُتَوَلِّي نَيْسَابُورَ، فَخَرَجَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَعْيَانِ النَّاسِ. وَامْتَدَّ عَلَى حَالِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَكَنَ هُنَاكَ.

وقال المشرف بن مرجى الْمَقْدِسِيُّ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ كَرَّامٍ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فتكلم، فجاءه غريب بعدما سَمِعَ مِنْهُ أَهْلُ الأَنْدَلُسِ حَدِيثًا كَثِيرًا، فَسَأَلَهُ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: قَوْلٌ؛ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ منه خرقوا ما كان كَتَبُوا عَنْهُ، وَنُفِيَ إِلَى زُغَرَ وَمَاتَ بِهَا، فَحُمِلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015