تزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أفعال الفتى حيث لا يدري

خطب ثلاثة إخوة من العرب إلى عمّهم ثلاث بنات له، فقال: مرحباً بكم، لا أذم عهدكم، ولا أستطيع ردّكم، خبّروني عن مكارم الأخلاق. فقال الأكبر: الصّون العرض، والجزاء بالقرض. قال الأوسط: النهوض بالثقل، والأخذ بالفضل. قال الأصغر: الوفاء بالعهد، والإنجاز للوعد. قال: أحسنتم في الجواب، ووفقتم إلى الصواب.

وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحبّ معالى الأخلاق وأشرفها، ويكره سفسافها " قال الحسن: مكارم الأخلاق للمؤمن: قوة في لين، وحزم في دين، وإيمانٌ في يقين، وحرصٌ على العالم، واقتصاد في النفقة، وبذلٌ في السّعة، وقناعة في الفاقة، ورحمةٌ للمجهود، وإعطاءٌ في حقّ، وبرّ في استقامة.

قالت عائشة رضي الله عنها: خلال المكارم عشر، تكون في الرّجل ولا تكون في أبيه ولا في ابنه، وقد تكون في العبد ولا تكون في سيّده، يقسمها الله لمن أحبّ: صدق الحديث، ومداراة النّاس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمّم للجار،وإعطاء السّئل،والمكافأة بالصنّائع، وقرى الضّيف،والوفاء بالعهد،ورأسهنّ كلهنّ الحياء.

قيل لبزر جمهر:أي شئ أنت به أسرّ؟ قال:قدرتي على مكافأة من أحسن إلى.

قال مصقلة بن هبيرة الشّبياني:سمعت صعصعة بن صوحان،وقد سأله ابن عباس ما السؤدد فيكم؟ قال:إطعام الطعام،ولين الكلام،وبذل النّوال،وكفّ المرء نفسه عن السؤال،والتودّد للصّغير والكبير،وأن يكون النّاس عندك في الحق شرعا.

سئل عبد الله بن عمر عن السّؤدد،فقال:الحلم والجود.

كان يقال:خير أيام المرء ما أغاث فيه المضطر،واكتسب فيه الأجر،وارتهن فيه الشكر،واسترقّ فيه الحّر.

قال الأحنف بن قيس يوماً لقومه:إنّما أنا رجل منكم ليس لي فضل عليكم،ولكني أبسط لكم وجهي،وأبذل لكم مالي،وأفضى حقوقكم،وأحفظ حرمتكم،فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد علىّ فهو خير مني،ومن زدت عليه فأنا خير منه. قيل له:يا أبا محمد! ما يدعوك إلى هذا الكلام؟ قال:أحضّنهم على مكارم الأخلاق.

وقال عبد الله بن عمر:نحن معشر قريش نعدّ الحلم والجود الؤدد،ونعدّ العفاف وإصلاح المال المروءة.

قال أسد بن عبد الله لرجل من بني شيبان:إن السؤدد فيكم لرخيص.

فقال له:أمّا نحن فما نسّود إلا فتى يوطئنا رحله،ويفرشنا عرضه،وببذل لنا ماله.

قال:أشهد أن السؤود فيكم لغالٍ.

قيل لبعض العرب:من السيد فيكم؟ قال:الأحمق في ماله،الذليل في عرضه، المطّرح لحقده،المعتنى بأمر عامته.

ورويت هذه القصة للأحنف،أنه سئل:من أسود الناس فيكم؟ فقال:الأخرق في ماله ثم ذكر مثله.

قال أبو عمرو بن العلاء:كان أهل الجاهلية لا يسوّدون إلاّ من كانت فيه ست خصال وتمامها في الإسلام سابة:السّخاء والنجدة،والصّبر والحلم،البيان والحسب. وفي الإسلام زيادة العفاف.

ذكر لعبد الله بن عمر أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ ومعاوية. فقال:كان معاوية أسود منهم،وكانوا خيراً منه.

روى عن النّبي صلىّ الله عليه وسلّم أنه قال: " من رزقه الله مالاً فبذل معروفه وكفّ أذاه،فذلك السّيد ".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار يوماً: " من سيّدكم؟ " فقالوا:الجدّ بن قيس على بخل فيه. فقال عليه الّلام: " أيّ داءٍ أدوأ من البخل؟! بل سيّدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح ".فقال شاعرهم في ذلك:

وقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منا من تسمون سيّدا

فقالوا له الجدّ بن قيس على التي ... نبخّله فيها وإن كان أسودا

فتىً ما تخطّى خطوةً لدنّيةٍ ... ولا مدّ في يوم إلى سوءٍة يداً

فسوّد عمر بن الجموح بجوده ... وحق لعمر بالندى أن يسوّدا

قال بكر بن وائل:ما كان فينا أسود من ثعلبة بن أوس،كان يحلم عن جاهلنا ويعطى سائلنا.

كان سالم بن نوفل سيد بني كنانة في زمانه، فوثب رجل على ابنه وابن أخيه فجرحهما، فأتى به سالم، فقال له: ما أمنك من انتقامي؟ قال: فلم سوّدناك إذاً؟ إلا لتكظم الغيظ وتحلم عن الجاهل، وتحتمل المكروه. وفي سالم هذا يقول الشاعر:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015