والعياذ باللَّه أن يتأخر الناس والعلماء ليكونوا مع الأشرار، ولذلك قال عدد من العلماء: لن تخلو الأرض من قائم للَّه بالحجّة في كل وقت ودهر وزمان، وإن كان قليلًا في كثير، وقالوا: لو أخلى اللَّه زمانًا من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، ولو عُدِم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عُطِّلت الفرائض كلُّها لحلت النقمة بالخلق كما جاء في الخبر السابق، وأن الخلو من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو مناف للخبر: "لا تجتمع أمتي على الخطأ"، "أمتي لا تجتمع على الخطأ" (?).
القول الثاني: يجوز خلو العصر من المجتهدين، وهو رأي أكثر العلماء، وجزم به الفخر الرازي، والغزالي من الشافعية وبقية المذاهب.
واستدلوا على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه لا يَقْبضُ العلمَ انتزاعًا، يَنْتَزِعَهُ من العباد، ولكنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخَذَ الناسُ رؤساءَ جهالًا، فسُئِلُوا، فأفتَوْا بغيرِ عِلْم، فضلُّوا وأَضَلُّوا" (?)، فهذا يدل على خلو العلماء، وأن الناس كلَّهم جهال، لا مجتهد فيهم.
إن هذه المسألة -أصلًا- نظرية خيالية، وهي في آخر الزمان، ولعل أكثر العلماء لاحظوا عدم وجود المجتهدين اجتهادًا مطلقًا كالأئمة الأربعة، ولذلك قال الغزالي في "الوسيط": "قد خلا العصر عن المجتهد المطلق" وقال الرافعي: "الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم".
وإن خلو العصر عن المجتهد المطلق لا يعني خلو الزمان عن المجتهدين