بالعلماء والعلم، لم يقصر عنه أصلاً، غير أن تأثير هذه السياسة التعليمية لم يبلغ من القوة في زمنه، بحيث تظهر نتائجه لكل إنسان، ما بلغ في زمن يوسف ابنه، ويعقوب حفيده، ومن بعدهما، إذ قد ازهر غرس عبد المؤمن وأثمر، بتعهد أبنائه له بالسقي والري، فتفتحت الأفكار، وتنورت العقول، واتسعت المدارك، وبلغ الشعب المغربي إلى درجة عالية من الثقافة العالمية، حتى لقد استجلى المنصور ذلك، وأصبح مضطرة إلى عدم الاستمرار في مغالطة الشعب الناهض ببعض التعاليم والشعائر، التي أتت بها دولتهم، وكانت الغاية منها سياسة محضة المهدوية وعصمة الإمام؛ فتقدم بإلغائها إلى الشعب الذي قابلها بمزيد الحماس، لما كان باقياً على سذاجته، ونبذها نبذ النواة، لما حصحص الحق وتبين الصبح لذي عينين. على أن الغريب في أمر هذه الدولة التي رأينا ما بذلته من جهود في خدمة الثقافة الإسلامية العربية، ونقل الشعب المغربي من حضيض الجهل والجمود إلى أوج المدنية والعرفان، هو اعتناؤها الزائد باللغة البربرية، وعدم نسيانها لها، حتى بعد استقامة أمرها ونجاح مطلبها، فلقد بلغ من محافظتها عليها، وتكريمها لأهلها أن حظرت الوظائف الدينية على من لا يحسن التعبير بها، بل عزلت الخطباء، وخطيب القرويين نفسه من الذين ليسوا ببربر أو ليسوا من يتكلمون البربرية، ثم ولست مكانهم من يضطلع بالمهمة المزدوجة، وينطق اللغتين) (?) معاً.
والحق أن هذا تصرف غريب، وفي منتهى الغرابة، يجعلنا نقف أمامه حائرين مشدوهين، لا نعرف سبيلاً إلى التوفيق بينه وبين ما قدمناه من سعر الدولة على تعميم نشر العلم والثقافة العربية.
أما المؤرخون، فلم يذكروا لنا السبب الحامل على هذه السياسة الرجعية التي