فَالأَْهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ: عِبَارَةٌ عَنْ بُلُوغِ الْقُدْرَتَيْنِ أَوَّل دَرَجَاتِ الْكَمَال، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالاِعْتِدَال فِي لِسَانِ الشَّرْعِ. وَالْقَاصِرَةُ: عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَتَيْنِ قَبْل بُلُوغِهِمَا أَوْ بُلُوغِ إِحْدَاهُمَا دَرَجَةَ الْكَمَال.

ثُمَّ الشَّرْعُ بَنَى عَلَى الأَْهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ صِحَّةَ الأَْدَاءِ، وَعَلَى الْكَامِلَةِ وُجُوبَ الأَْدَاءِ وَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلْزَامُ الإِْنْسَانِ الأَْدَاءَ فِي أَوَّل أَحْوَالِهِ؛ إِذْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ أَصْلاً، وَإِلْزَامُ مَا لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ مُنْتَفٍ شَرْعًا وَعَقْلاً، وَبَعْدَ وُجُودِ أَصْل الْعَقْل وَأَصْل قُدْرَةِ الْبَدَنِ قَبْل الْكَمَال، فَفِي إِلْزَامِ الأَْدَاءِ حَرَجٌ؛ لأَِنَّهُ يُحْرِجُ الْفَهْمَ بِأَدْنَى عَقْلِهِ، وَيُثْقِل عَلَيْهِ الأَْدَاءَ بِأَدْنَى قُدْرَةِ الْبَدَنِ، وَالْحَرَجُ مُنْتَفٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (?) فَلَمْ يُخَاطَبْ شَرْعًا لأَِوَّل أَمْرِهِ حِكْمَةً، وَلأَِوَّل مَا يَعْقِل وَيَقْدِرُ رَحْمَةً، إِلَى أَنْ يَعْتَدِل عَقْلُهُ وَقُدْرَةُ بَدَنِهِ، فَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ وَالْعَمَل بِهِ.

ثُمَّ وَقْتُ الاِعْتِدَال يَتَفَاوَتُ فِي جِنْسِ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُمْكِنُ إِدْرَاكُهُ إِلاَّ بَعْدَ تَجْرِبَةٍ وَتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ، فَأَقَامَ الشَّرْعُ الْبُلُوغَ الَّذِي تَعْتَدِل لَدَيْهِ الْعُقُول فِي الأَْغْلَبِ مَقَامَ اعْتِدَال الْعَقْل حَقِيقَةً، تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ، وَصَارَ تَوَهُّمُ وَصْفِ الْكَمَال قَبْل هَذَا الْحَدِّ، وَتَوَهُّمُ بَقَاءِ الْقُصُورِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِّ سَاقِطِي الاِعْتِبَارِ؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الظَّاهِرَ مَتَى أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَأَيَّدَ هَذَا كُلَّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ (?) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015