وَإِنَّمَا فَعَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَعَ هَذَا الشَّاعِرِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ، فَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ اتَّخَذَ الشِّعْرَ طَرِيقًا لِلتَّكَسُّبِ، فَيُفْرِطُ فِي الْمَدْحِ إِذَا أُعْطِيَ، وَفِي الْهَجْوِ وَالذَّمِّ إِذَا مُنِعَ، فَيُؤْذِي النَّاسَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ، فَكُل مَا يَكْتَسِبُهُ بِالشِّعْرِ حَرَامٌ، وَكُل مَا يَقُولُهُ مِنْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَلاَ يَحِل الإِْصْغَاءُ إِلَيْهِ، بَل يَجِبُ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مِنْ لِسَانِهِ قَطْعًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُدَارِيَهُ بِمَا اسْتَطَاعَ، وَيُدَافِعَهُ بِمَا أَمْكَنَ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا ابْتِدَاءً؛ لأَِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ أَعْطَاهُ بِنِيَّةِ وِقَايَةِ الْعِرْضِ، فَمَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ كُتِبَ لَهُ بِهِ صَدَقَةً (?) .

وَذَكَرَ الْحَصْكَفِيُّ الْحَنَفِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِي الشُّعَرَاءَ وَلِمَنْ يَخَافُ لِسَانَهُ، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ مَا وَرَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً قَال: أَتَى شَاعِرٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا بِلاَل، اقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا (?) .

طور بواسطة نورين ميديا © 2015