بِالْوَظَائِفِ مَعَ الْإِيغَالِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَوِ الرَّجَاءِ أَوِ الْمَحَبَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: دُخُولُ الْإِنْسَانِ فِي الْعَمَلِ وَإِيغَالُهُ فِيهِ- وَإِنْ كَانَ لَهُ وَازِعُ الْخَوْفِ، أَوْ حَادِي الرَّجَاءِ، أَوْ حَامِلُ الْمَحَبَّةِ- لَا يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا اللَّيْلَ، صَائِمًا النَّهَارَ، واطئنا أَهْلَهُ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الصِّيَامِ مَعَ الْقِيَامِ عَلَى الْكَسْبِ لِلْعِيَالِ، أَوِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْجِهَادِ عَلَى كَمَالِهَا، وَكَذَلِكَ إِدَامَةُ الصَّلَاةِ مَعَ إِعَانَةِ الْعِبَادِ، وَإِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا تُضَادُّ أَعْمَالًا أُخَر بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاجْتِمَاعُ فِيهَا، وَقَدْ لَا تُضَادُّهَا، وَلَكِنْ تُؤَثِّرُ فِيهَا نَقْصًا، وَتَزَاحُمُ الْحُقُوقِ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَجْهُولٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ أَوْ بِأَكْثَرِهَا وَالْحَالَةُ1 هَذِهِ؟ وَلِهَذَا جَاءَ: "مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" 2.
وَأَيْضًا، فَإِنْ سُلِّمَ مِثْلُ هَذَا فِي أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَمُسْقِطِي الْحُظُوظِ، فَكَيْفَ الْحَالُ مَعَ إِثْبَاتِهَا وَالسَّعْيِ فِيهَا وَالطَّلَبِ لَهَا؟
فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّاسَ كَمَا تَقَدَّمَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا:
أَرْبَابُ الْحُظُوظِ، وَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنِ اسْتِيفَاءِ حُظُوظِهِمُ الْمَأْذُونِ لَهُمْ فِيهَا شَرْعًا، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يُخِلُّ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَضُرُّ بِحُظُوظِهِمْ.
فَقَدْ وَجَدْنَا عَدَمَ التَّرَخُّصِ فِي مَوَاضِعِ التَّرَخُّصِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ مُوقِعًا فِي مَفْسَدَةٍ أَوْ مَفَاسِدَ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا شَرْعًا، وَقَطْعُ الْعَوَائِدِ المباحة قد يوقع في