الموافقات (صفحة 831)

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَاءَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [الْبَقَرَةِ: 21] . {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [الْأَنْعَامِ: 152] .

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرَجِّيَ وَالْإِشْفَاقَ وَنَحْوَهُمَا إِنَّمَا تَقَعُ حَقِيقَةً مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَاللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [كَانَ] 1 يَكُونُ، وَلَكِنْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى الْمَجْرَى الْمُعْتَادِ فِي أَمْثَالِنَا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِعَاقِبَةِ أَمْرٍ- بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ مُعْتَادِ الْجُمْهُورِ- أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِحُكْمِ غَيْرِ الْعَالِمِ، دُخُولًا فِي غِمَارِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ بَانَ عَنْهُمْ بِخَاصِّيَّةٍ يَمْتَازُ بِهَا وَهُوَ مَنِ التَّنَزُّلَاتِ الْفَائِقَةِ الْحُسْنِ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلَمُ بِأَخْبَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ2 وَيُطْلِعُهُ رَبُّهُ عَلَى أَسْرَارِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُعَامَلَةً يَشْتَرِكُ مَعَهُمْ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ3؛ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي عَدَمِ انْخِرَامِ الظَّاهِرِ4، فَمَا نَحْنُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، فإن كَانَ كَذَلِكَ، ظَهَرَ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ يُسْتَفَادُ بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَفَوَائِدُ عَمَلِيَّةٌ لَيْسَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الدَّلَالَةِ بِالْجِهَةِ الْأُولَى، وَهُوَ تَوْهِينٌ لِمَا تقدم اختياره.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015