إِخْلَاصِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُنْجِيَةَ وَالْعَمَلَ الْمُوصِلَ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا مَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} إِلَى قَوْلِهِ: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الآية [الصافات: 40-43] .
فَإِذَا كَانَ قَدْ رَتَّبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَمَلِ المخلَص -وَمَعْنَى كَوْنِهِ مخلَصا أَنْ لَا يُشْرِكَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ1، فَهَذَا قَدْ عَمِلَ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْحَظِّ لَيْسَ بِشِرْكٍ؛ إِذْ لَا يُعْبَدُ الْحَظُّ نَفْسُهُ2، وَإِنَّمَا يُعْبَدُ مَنْ بِيَدِهِ بَذْلُ الْحَظِّ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ لَوْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ [مَنْ ظَنَّ بِيَدِهِ بَذْلُ حَظٍّ مَا مِنَ الْعِبَادِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشْرَكَ، حَيْثُ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ] 3 غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الطَّلَبِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَاللَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا فِيهِ شِرْكٌ، وَلَا يَرْضَى بِالشِّرْكِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا.
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَصْدَ الْحَظِّ الْأُخْرَوِيِّ فِي الْعِبَادَةِ لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ فِيهَا، بَلْ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يُوصِلُهُ إِلَى حَظِّهِ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَذَلِكَ بَاعِثٌ لَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ، قَوِيٌّ لِعِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْقَطِعُ طَلَبُهُ لِلْحَظِّ4 لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو حَامِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّ أَقْصَى حُظُوظِ الْمُحِبِّينَ التَّنَعُّمُ فِي الْآخِرَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَحْبُوبِهِمْ وَالتَّقَرُّبِ مِنْهُ، وَالتَّلَذُّذُ بِمُنَاجَاتِهِ، وَذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مَا فِي الدَّارَيْنِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] .