أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... "وسالت بأعناق المطي الأباطح"1
يقول: لما فرغنا من أداء النسك، وقضينا أيام منى، واستلمنا الأركان وشددنا الرحال، ومضى الناس، لا ينتظر الغادي منهم الرائح شوقا للعودة إلى أوطانهم, ابتدأنا في الحديث آخذين بأطرافه وفنونه شأن الرفاق في السفر قد شملتهم الغبطة لما وفقوا إليه من أداء الفريضة، في حين أن المطي سارت في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة كسيلان الماء.
وهذه الأبيات الثلاثة مع ما فيها من روعة المطلع، وعذوبة الجرس لا ترى فيها معنى دقيقا، ولا تصويرا شائقا، سوى ما نراه في الشطر الثاني من البيت الأخير، وهو محل الشاهد؛ حيث شبه سير المطي في الأباطح سيرا حثيثا، في لين وسلاسة, بسيلان الماء في هذه الأباطح، ثم استعار سيلان الماء للسير الموصوف بما ذكرنا، واشتق منه سالت بمعنى: سارت حثيثا، في لين وسلاسة، ووجه الشبه أو الجامع بين الطرفين هو قطع المسافة بسرعة. فهذه -كما ترى- استعارة عامية؛ يعرفها الخاصة والعامة، غير أنه تصرف فيها بما جعلها غريبة، لا يدركها إلا الخواص, ذلك أنه بعد أن استعار فعل "السيلان" لسير الإبل الحثيث السلس حتى أفاد كأن سيولا جرت