المقفي الكبير (صفحة 336)

وتسعين وسبعمائة، عوضا عن بدر الدين محمد بن أبي البقاء [118 أ]، فباشر الحكم بمهابة زائدة، وحرمة وافرة، مع عفّة ونزاهة. إلّا أنّه استكثر من النوّاب في الحكم، كأنّه يريد بذلك تألّف قلوب أهل مصر، لما كان عنده من الوهم منهم، فعيب عليه ذلك. وعيب عليه أيضا الإمساك وقلّة العلم.

وقام أبو عبد الله المغربيّ (?) بعداوته، وما زال يغري السلطان به حتّى صرفه عن القضاء في يوم الاثنين ثاني المحرّم سنة خمس وتسعين [وسبعمائة] بصدر الدين محمد بن إبراهيم المناويّ، من غير جرم ولا خيانة، سوى قلّة الدربة بمصطلح أهل مصر. وجعل له في نظير القضاء تدريس الفقه بوقف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاوون على القبّة المنصوريّة، [103 ب] وتدريس الفقه (?) بالجامع الطولونيّ. فباشر ذلك وصار يتردّد إلى السلطان، والناس توجب له حقّ الرعاية، إلى أن وردت وفاة سريّ الدين محمد بن المسلاتي خطيب القدس.

فتحدّث مع السلطان في خطابة القدس، فأجابه إلى ذلك في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب سنة تسع وتسعين وقلّد الخطابة والإمامة بالمسجد الأقصى، وتدريس الصلاحيّة بالقدس. فسار من القاهرة وباشر ذلك على حال انجماع (?) عن الناس

وإقبال على ما يعود عليه نفعه عند الله، حتّى قبضه الله إليه في يوم الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانمائة. ودفن هناك.

وكان رحمه الله ثبتا في أحكامه، صادقا في مقاله، كثير الصدقة مع الإمساك في الإنفاق وقلّة العطاء في غير هذا الوجه. وكان يلازم قيام الليل ويواظب على تلاوة القرآن، ويسرد الصيام، مع البعد عن كلّ ما يشين المرء في دينه.

وتردّد إلى القاهرة قبل ولايته القضاء مرارا.

وأقام بدمشق مدّة، وسمع بها على ابن جملة (?).

وحلف لي غير مرّة أنّه منذ تقلّد القضاء بالكرك وديار مصر، لم يتعمّد حكما باطلا، ولا قبل رشوة، ولا أكل مال يتيم، ولا مال وقف بباطل- ولقد صدق في هذا: فإنّا بلوناه فما رأينا فيه ما يعاب به سوى كثافة حجّابه أيّام تقلّده القضاء، ومحبّته للتعظيم، وترفّعه، وإعجابه بمن يمدحه.

ولقد اعتذر لي عن ذلك بما يقبل منه: وهو ما خوّف به من أهل مصر (?) وكثرة انتقادهم وظنونهم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015