إلى الظباء، فينتفي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه، فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله"1. إلى غير ذلك من قصص وحكايات.
وقد فخر العداؤون بشدة عدوهم، وتباهوا بمقدرتهم على العدو السريع، حتى إنهم نسبوا سبب نجاتهم من الموت إلى عَدْوهم هذا، لا إلى قتالهم وشجاعتهم، وبالغوا في شعرهم به، حتى ذكروا أنهم كانوا يسبقون الخيل والظباء بل الطير2. هو نوع من "البطولة" في مفهوم الصعاليك، حتى إنهم -كما قلت- فضلوه على الشجاعة، وإذا كانت الشجاعة ضرب من الإقدام وإظهار المقدرة والرجولية؛ فالركض فرارًا نوع من البطولة أيضا، فيه مقدرة وشجاعة في ضبط الأعصاب وفي التصميم والإقدام على السلامة والنجاة بالنفس وبقاء الحياة وهكذا وجدوا لفرارهم عذرا اعتذروا به، فهم إن اختاروا الفرار وفضلوه على المعاركة والقتال فإنما اختاروه لأنه فيه أمل المعاودة إلى قتال جديد، ثم إنهم لا يرون سببا يدعو الإنسان إلى أن يرمي نفسه في المهالك، وأن يكون طعاما للوحوش الكاسرة3.
فليس في الهروب جبن، وليس في الإقدام شجاعة، والعاقل من اتعظ فنجى نفسه من الموت، وفي النجاة شجاعة.
وقد كان لسرعة عدو الصعاليك العدائين فضل كبير عليهم في النجاة من المهالك المحتمة، هذا "تأبط شرا"، يذكر في شعر له أنه وقع في فخ في موضع "العيكتين"، وكاد يهلك، لولا استعانته بالركض، ولا أحد أسرع منه، وبذلك نجا وخلص من الوقوع في داهية4. فلا عجب إذن، إذا ما افتخروا بسرعة عدوهم، وجاهروا بما لأرجلهم من فضل ومنة عليهم. فلولا العدو لما خرج "أبو خراش" سالما من موت كان قد أحاق به، ولكنه غلب الموت بشدة عدوه وهروبه منه، فعاد سالما إلى حليلته، فاستقبلته ابنته بقولها:
سلمت وما إن كدت بالأمس تسلم
وأنقذ بذلك ابنة "خراش" من الوقوع في اليتم5.