أن الاغتسال من الجنابة والابتعاد عن الحائض من الشعائر التي راعاها المتدينون من أهل الجاهلية، من الموحدين الذين تأثروا باليهودية، لكنهم لم يدخلوا فيها ولا في النصرانية، بل أمسكوا عن الديانتين، ودعوا إلى عبادة واحد أحد، وماتوا على هذا الدين.
ومثل "وكيع بن سلمة" الإيادي، صاحب الصرح بحزورة مكة، فقد كان كاهنًا ورجل دين، وقالوا كان صديقًا من الصديقين. اتخذ صرحًا يصعد إليه بسلالم، فكان يدعي أنه يناجي ربه من ذلك الموضع1. وكان يعظ الناس وينصحهم بالتدين بدينه وبالابتعاد عن عبادة الأوثان، على شاكلة الأحناف، وهو في الواقع واحد منهم، ويجب اعتباره أحدهم؛ لأن ما ينسب إليه ينسب أيضًا إلى الحنفاء.
والصديق الكثير الصدق، ومن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، "قال الله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} . وقال تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} ، أي مبالغة في الصدق والتصديق"2. وهم من آمن بالله وصدق به وبشر بعبادته بين الناس، وكان بارًّا بنفسه وبغيره. وهي بمعنى "بار" في لغة بني إرم3.
وقد نسب أهل الأخبار إلى رجال من الجاهليين فتاوى وأحكام صارت سننًا في قومهم. من ذلك ما نسبوه إلى "قصي" من أمور، زعموا أنها صارت سنة احتذت بها قريش، وأن بعضًا من أحكامه بقيت إلى الإسلام فأقرها4، وما نسبوه إلى "عامر بن الظرب" العدواني من حكم في "الخنثى" جرى حكم الإسلام به5. وما ذكروه من إفتاء "عامر بن جشم بن غنم" المعروف بـ"ذي المجاسد". في التوريث على قاعدة: "أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو حُكم حَكَمَ به الإسلام. ومن أمور أخرى، يرد ذكرها في المواضع المناسبة من هذا الكتاب6، مما يدل على أن الحياة الدينية عند الجاهليين، هي آراء وفتاوى، أفتى بها رجال من أهل الدين والمروءة والعقل والعلم من أهل الجاهلية، فأخذ بها قوم من