وقد رصع ملوك الحيرة تيجانهم بالأحجار الكريمة على طريقة الفرس. وقد ورد في بيت شعر لمالك بن نويرة اليربوعي إن تاج النعمان بن المنذر كان من الزبرجد والياقوت والذهب1.

ونحن إذا جهلنا اليوم التاج أو أي شعار آخر يشير إلى الملك والحكم، كان يصنعه ملوك العربية الجنوبية على رءوسهم ليكون سمة لهم تميزهم عن الرعية وعمن هم دونهم، فإن ذلك لا يعني أننا ننكر وجودًا لشعار الملك عندهم، بل إني أرى أنه لا بد أن يكون لأولئك الملوك من تاج ومن شعارات أخرى، كانوا يتخذونها لتميزهم عن غيرهم ولتشعرهم بأنهم أصحاب السلطان. وإذا كان لملوك الرومان والروم والحبشة والفرس تيجان، فَلِمَ لا يكون لملوك العربية الجنوبية تيجان، وقد كانوا يحاكون ملوك زمانهم في رسوم الملك وأسلوب الحكم؟

وفي عربيتنا لفظة أخرى استعملت لتمييز شخص عن بقية الناس في المنزلة والدرجات، هي لفظة "الإكليل". فلمن يضع الإكليل على رأسه منزلة رفيعة، إلا أنها لا تبلغ درجة "ملك" ولا تؤدي معنى "تاج" فالتاج لا يكون إلا للملوك. وأما "الإكليل" فلمن دونهم. وقد كان شيئًا يضعه الشخص فوق مفرق رأسه، قد يعلق به خرز وأحجار وقد لا يعلق. وقد ورد في بعض الأخبار أن "هوذة بن علي الحَنَفي"، صاحب اليمامة، كان يضع إكليلًا على رأسه، وإليه أشار الأعشى في شعره:

لَهُ أَكاليلُ بِالياقوتِ زَيَّنَها ... صُوّاغُها لا تَرى عَيبًا وَلا طَبَعا

وقد عرف "الإكليل" أنه شبه عصابة مزينة بالجواهر، ويسمى التاج إكليلًا.

وقيل: إن الإكليل يجعل كالحلقة، ويوضع على أعلى الرأس2.

وقد ورد في روايات أخرى أن كسرى أعطى "هوذة" قلنسوة فيها جوهر، فكان يلبسها، فسمي ذا التاج3. غير أن أكثر الروايات تعارض في حصول

طور بواسطة نورين ميديا © 2015