غير أن الطبيعة قست عليها، فأبدلتها صحاري ورمالًا، حتى اضطر أصحابها إلى الارتحال عنها إلى أماكن تتوافر فيها ضروريّات الحياة على الأقل فكانت الهجرات إلى العراق وبلاد الشام ومصر والمواطن السامية الأخرى. وكانت هذه الهجرات كما يقول قويّة وعنيفة بين سنة 2500 وسنة 1500 قبل الميلاد، فدخل الهكسوس أرض مصر، وهاجر العبرانيون إلى فلسطين، ثم ولي ذلك عدد من الهجرات1.

ويرى "كيتاني" أن هذا التغير الذي طرأ على جوّ جزيرة العرب؛ إنما ظهر قبل ميلاد المسيح بنحو عشرة آلاف سنة، غير أن أثره لم يبرز ولم يؤثر تأثيرا محسوسا ملموسا إلا قبل ميلاد المسيح بنحو خمسة آلاف سنة. وعندئذ صار سكّان بلاد العرب، وهم الساميون، ينزحون عنها أمواجًا، للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير، وحياة أفضل من هذه الحياة التي أخذت تضيق منذ هذا الزمن2.

وقد تصوّر "كيتاني" أودية جزيرة العرب، مثل وادي الحمض ووادي السرحان ووادي الرمة ووادي الدواسر، أنهارًا كانت ذات مياه غزيرة تنساب إليها من المرتفعات والجبال في الدهور الغابرة، أثّرت فيها التغيرات الطبيعية المذكورة، فقلّلت من مياهها حتى جفت، فصارت أودية، لا تجري فيها المياه إلا أحيانًا، إذ تسيل فيها السيول بعد هطول الأمطار3.

وقد ذهب إلى هذا الرأي المستشرق الألماني "فرتز هومل" أيضا، فرأى أن الأنهر المذكورة في التوراة على أنها أنهر جنة "عدن"، هي أنهر تقع في بلاد العرب، وأن الأنهر المشار إليها، هي وادي الدواسر، ووادي الرمة، ووادي السِّرحان، ووادي حَوْران4. وأما "كلاسر"، فذهب إلى أن نهري

طور بواسطة نورين ميديا © 2015