الموت به، وليس هذا القول بصحيح (?)؛ لأنّ قصْرَ الأملِ ليس هو الزّهد، وإنّما هو المعين على الزّهد؛ لأنّ مَنْ قصر أملُه وتوقَّع نزولَ الموتِ به زَهد في الدّنيا ولم يرغب فيها.
الطّائفة الثّانية: قال الأوزاعيُّ وجماعةُ الفقهاءِ: إنَّ الزّهدَ بُغْضُ المَحْمَدَة (?)، وبُغْضُ المحْمَدَةِ إنّما هو ببُغْضِ الدّنيا وأهلها، وبترك شهواتها، ومَحْمَدَةَ النّاسِ من الشّهواتِ، قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية (?).
وقال سفيان بن عيينة (?): الزّهد من غلب صبرُهُ الحرامَ وشكرُهُ الحلال (?).
قلنا: وليس هذا بالزّهد، وإنّما هو صفة الزّاهد؛ لأنّ من كان بهذه الصّفة فهو زاهدٌ.
وقال الفُضيل بن عيّاض: الزّهد التّرك للدّنيا*، وليس الترك للدنيا هو الزُّهد، ولكنّه كائن عنه؛ لأنّه إذا زهد في الدنيا تركها. وليس قوله*: "التّرك للدّنيا" على عمومه؛ لأنّ من أحوال الدّنيا ما لا يجوز تركه، فلو قال: الزّهد ترك ما لا قُرْبَةَ فيه من أحوال الدنيا، لكان في العبارة عما قصد إليه أَوْلَى، وكان قد قارب الحقيقة في الزُّهد، إذ جعله المعنى الّذي يكون عن الزّهد، وهو فائدته الّتي تُقرِّبُه إلى الله.
الطّائفة الثّالثة: قالوا: الزُّهد أنّ يكون الرَّجُلُ بما في يد الله أوْثَقَ ممّا في يديه (?)، فجعل الزُّهد بعض التَّوَكُّل لمّا كانت الثّقة بما في يد الله دون ما في يده تبعثُ الواثق بذلك، على ألَّا يدَّخر ما بيده فيقدّمه لآخرته، وليس ذلك بصحيحٍ، إذ قد يكون الرّجلُ