وإعراضِهِ عن الظّاهر إذا وجدها (?)، ألَّا ترى إلى قوله فيمن حَلَفَ ألَّا يأكُلَ هذا الطّعامَ، ولا يَلْبَسَ هذا الثّوبَ، أنّه لا ينْتفِعُ بهما في حالٍ، إذا كان المقصودُ معنَى اليمين أو فهم منه.
قال أبو حنيفة والشّافعيّ: يَبِيعُهُ ويأكُلُ ثَمَنَهُ.
وهذه فتوى يهوديّة، فمالك - رحمه الله - أهدى طريقة، وأوضح حُجَّة، وأغوص على المعاني.
مالك (?)؛ أنّه بلغه أنّ عيسى بن مريم كان يقول: "عليكُم بالماءِ القَرَاحِ والبَقْلِ البَرِّيِّ وخُبْزِ الشَّعيرِ، وإيّاكُم وخُبْزَ البُرِّ فإنّكم لن تقوموا بشُكْرِه".
قال الإمام: هذا حديثٌ عظيمٌ، ولنا فيه مآخذ ومعاني أوْدَعْناها في "سراج المريدين" ولكن نعطف ههنا العنان على نوعٍ من البيان على أربعة طُرُقٍ:
رَوَى الأعمش، عن أبي صالح رفعه إلى عيسى بن مريم قال: قال عيسى لأصحابه: "اتّخِذُوا المساجدَ مساكنَ، واتّخِذُوا البيوتَ منازلَ، وانْجُوا من الدُّنيا بسلامٍ، وكلوا من بقل البَرِيَّةِ" وزاد الأعمش فيه: "واشربوا من الماءِ القَرَاحِ" (?).
خبر آخر: ورَوَى مجاهد، عن عُبَيد بن عُمَيْر، قال: كان عيسى بن مريم لا يرفعُ غَذَاءً لعَشاءٍ، ولا غَشاءً لغَداءٍ، وكان يقول: إنَّ مع كلِّ يوم رِزْقَهُ، وكان يلْبَسُ الشَّعر ويأكل الشَّجر وينام حيث أَمْتَى (?).