وفي هذا الحديث نكتةٌ بديعةٌ، وهو أنَّه محمود في الجملة، كالصَّمْت محمودٌ في الجملة لكثرة آفاتِ الحركة، وكثرة آفات الكلام، وقد يكون الشَّيءُ ممدوحًا بذاته وصفاته، وقد يكون ممدوحًا لقلّة آفاته، وتَركُكَ الشّرِّ للنّاس صدقةَ، لا سيّما وقد قال علماؤنا: إنَّ أوّل ما خلَقَ الله السُّكونُ، والحرَكَةُ بعده ثانيًا، ويستحيلُ عقلًا أنّ تسبقه الحركة، فصار السكونُ ممدوحًا بأصل الخِلقَةِ.
وبينَ أيضًا نَدبَ الصَّدقة إليه، والتَّخصيص في الجزاء عليه، فقال: "رُدُّوا السّائلَ ولو بِظِلْفٍ مُحرَقٍ" (?) وليس هو بمثل، وإنّما هو حقيقة؛ فإنّه إنّما خاطب به قومًا كانوا يأكلون الجلود ويمُصّونَ النَّوَى، وإذا وَجَدُوا ظِلفًا مُحرَقا كان غايةً لهم في اللَّذَّةِ،
وأيضًا: فإنّه بيَّن فيه حال المسكين، وهو الّذي لا شيءَ له لاختلاف النَّاس فيه، والفقيرُ والمسكينُ اسمان مشتركان في وجهٍ مفترقان في آخر، فقد يكون الفقيرُ مسكينًا، وقد يكون المسكينُ فقيرًا، وقد جمع الله بينهما في الصَّدقة، واشتغل النَّاس لقلَّةِ تحقيقهم بأن يطلبوا الفرقَ بين المسكين والفقير، وليس المقصود هذا حتّى تفنى فيه الأعمار، وتُسَوَّدَ الأوراقُ، وإنّما المقصودُ أنّ النَّاس المحتاجين قسمان: قسم لاشيءَ لهم، وقسم