حمير. إني أرى شجرًا. ومن خلفها بشرًا (?). ومن تلك العجائب تنتظر. وكذبوها فقالوا: أما تزالين تأتيننا بالإفك؟ ثم رجعت بصرها. فوضح (?) لها تصديق ما رأت فقالت:
خُذوا حذاركم يا قوم ينفعكم ... فليس ما قد أرى بالأمر يُحتقر
إني أرى شجرًا من خلفها بشرًا ... وكيف تجتمع الأشجار والبشر
خُذوا طوائفكم من قبل داهية ... من الأمور التي تُخشى وتُنتظر. أهـ»
ثم القصة التي ذكرها شارح الأعشى تكشف لنا أنه كان للزرقاء سر سحري أعطاها قوتها البصرية الخارقة وهو الإثمد، وهذا لا يناقض قول النابغة:
مثل الزجاجة لم تُكحل من الرمد
إذ معنى هذا إنها لم تكن ترمد فتكحل فهو لا يزيد على مجرد نفي الاكتحال من أجل الرمد ومحاولة التأكيد لما كان لديها من سلامة البصر وإلى مثل هذا المعنى أراد الأعشى حيث قال: «ليست بُمقرفة إنسان عين، ومأقا لم يكن قمعا» وفي النفي ههنا إشعار بالمقارنة والموازنة بين عيونها وما كانت عليه سائر عيون الناس لا سيما في زمان الشاعر نفسه.
ومعلوم في سياق الأخبار والأساطير أن الأسرار الطبية ونحوها مما يستعين به الناس، تُضفى حوله ألوان من السحر والقداسة وينسب إلى ضرب من الآلهة البشريين دلوا عليه الإنسانية- من هذا المجرى مثلاً قصة النار في الأساطير الإغريقية.