وإذا كانت للمرأة أيام حيض وطهر معروفة، فاستحاضت فلم تهتم لرؤيتها حتى أتى عليها زمان ثم ندمت على ما فرطت، فجاءت تستفتي وهي موضع حيضها ولا موضع طهرها، وتعلم عادتها في الحيض والطهر أو لا تعلم، فإنها تتحرى عندنا؛ لأن هذا اشتباه وقع في أمر من أمور الدين، فاشتبه اشتباه القبلة والسهو في أعداد الركعات، فإن استقرّ أكثر رأيها وظنها على موضع حيضها، وعددها فظنت على ذلك كما في باب القبلة، فتصلي في كل زمان هي طاهر بغالب الظن، ولكن بالوضوء لوقت كل صلاة، وتدع الصلاة في كل وقت هي خالص بغالب ظنها، وكل زمان لم يستقر رأيها فيه على شيء، وترددت بين الحيض والطهر لم تمسك عن الصلاة الفرض لاحتمال أنها طاهرة في ذلك الزمان، فعليها ذلك.
ويحتمل أنها خالص فليس عليها ذلك فاستوى فعل الصلاة وتركها في حق الحل والحرمة، والباب باب العبادات، فتحتاط فيها وتصلي؛ لأنها إن صلت وليس عليها ذلك خيراً لها من أن تتركها، وعليها ذلك، فعند ذلك ينظر إن كان التردد بين دخول الحيض، والطهر صلت فيه بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك، وإن كان التردد بين الطهر وبين الخروج عن الحيض صلت فيه لا تغسل لوقت كل صلاة بالشك استحساناً، والقياس أن تغتسل في كل ساعة؛ لأنه ما من ساعة إلا وتتوهم وقت خروجها من الحيض، فتغتسل احتياطاً.
وجه الاستحسان: أن إيجاب الاغتسال عليها في كل ساعة حرج عظيم؛ لأنها تصير مشغولة عن إقامة الصلوات وإصلاح أمر المعيشة؛ ولأن الاغتسال لأداء الصلاة، فإنها تغتسل لتصير أهلاً لأداء الصلاة ولو وجب عليها الاغتسال في كل وقت لتقاعدت هي عن الصلاة، وإنا اكتفينا باغتسال واحد في كل صلاة؛ لأن لها حق شغل جميع الوقت بالصلاة، فهي وإن لم تفعل جعل حكماً كأنه شغلته وأقيم الوقت مقام الصلاة للضرورة.
قال الشيخ الإمام نجم الدين النسفي رحمه الله: والصحيح: أنها تغتسل لكل صلاة للنصوص، فإن زينب بنت جحش استحيضت سبع سنين فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلّمبالاغتسال لكل صلاة وبه أمر حبيبة رضي الله عنها أيضاً. وهكذا روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما، وعن الفقيه أبي سهيل أنها إذا اغتسلت في وقت صلاة وصلت ثم اغتسلت في وقت صلاة أخرى أعادت الصلاة الأولى ثم تصلي الوقتية، وهكذا تصنع في كل صلاة احتياطاً لاحتمال أنها كانت حائضاً في وقت الصلاة الأولى وتكون طاهرة في وقت الصلاة الثانية، فتفعل كذلك لتتيقن بأداء أحدهما بصفة الطهارة ولها أن تصلي السنن المشهورة، لكنها تبعاً للفرائض، لأنها شرعت جبراً النقصان لكن في الفرائض فيكون حكمها حكم الفرائض، وتصلي الوتر أيضاً، ولا تصلي تطوعاً سوى هذه السنن المشهورة، لترددها بين المباح والبدعة.