وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنه قال: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ} 1، فأقبل عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل قوله: {يَا أَبَتِ} ، بقوله: يا بني، وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: {قَالَ أَرَاغِبٌ} ؛ لأنه كان أهم عنده، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته.
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من هذا الجنس، لا سيما في مخاطبات الأنبياء -صلوات الله عليهم- للكفار، والرد عليهم، وفي هذين المثالين المذكورين ههنا كفاية ومقنع.
وبلغني حديث تفاوض فيه الحسين بن علي -رضي الله عنهما- ومعاوية بن أبي سفيان في أمر ولده يزيد، وذاك أن معاوية قال للحسين: "أما أمك فاطمة فإنها خير من أمه، وبنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير من امرأة من كلب، وأما حبي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة2 لما رضيت، وأما أبوك وأبوه، فإنهما تحاكما إلى الله، فحكم لأبيه على أبيك".
وهذا كلام من معاوية كلما أمررته بفكري عجبت من سداده، فضلًا عن بلاغته وفصاحته، فإن معاوية علم ما لعلي -رضي الله عنه- من السبق إلى الإسلام والأثر فيه، وما عنده من فضيلة العلم، فلم يعرض في المنافرة إلى شيء من ذلك، ولم يقل أيضا: إن الله أعطاني الدنيا ونزعها منكم؛ لأن هذا لا فضل فيه، إذ الدنيا ينالها البر والفاجر، وإنما صانع عن ذلك كله بقوله: "إن أباك وأباه تحاكما إلى الله، فحكم لأبيه على أبيك"، وهذا قول إيهامي يوهم شبهة من الحق.
وإذا شاء من شاء أن ينافر خصمه، ويستدرجه إلى الصمت عن الجواب، فليقل هكذا.